تخطي إلى المحتوى الرئيسي

حاشية الشهاب ( عناية القاضي وكفاية الراضي على تفسير البيضاوي ) — صفحة 106

مساهمون:

ص١٠٦
الدنيوية فجليلة وحقيرة وإنما قدّم والقياس يقتضي الترقي من الأدنى إلى الأعلى لتقدّم رحمة
شرح
احتمال أن يراد في الأوّل جلائل النعم ، وفي الثاني دقائقها فلا يجدي . قوله : ( لأنّ النعم الأخروية الخ ) الجسام جمع جسيم بمعنى عظيم ومعناه في الأصل عظيم الجسم ، فاستعير لما ذكر أو أطلق عليه إطلاق المشفر والمرسن يعني أنّ إضافة الرحمن للدارين باعتبار ما فيهما من الجلائل ، وإضافة الرحيم للدنيا ، وإن اشتملت على حلائل النعم ودقائقها باعتبار الثاني لأنه متمم لما قبله ، ولذا أخر عنه كما سيأتي وقد عرفت ما فيه رواية ودراية فتدبر . قوله : ( وإنما قدّم الخ ) أي قياس نظائره مما جمع فيه بين وصفين أحدهما أبلغ والقياس هنا بمعنى القاعدة أو اللائق المعقول قال قدّس سره الأبلغ إذا كان أخصر مما دونه ، ومشتملا على مفهومه تعين في الإثبات الترقي وفي النفي عكسه ، إذا لو قدّم كان ذكر الآخر عاريا عن الفائدة كما في عالم تحرير ، وإذا لم يكن الأبلغ مشتملا على مفهوم الأدنى كالرحمن والرحيم إذا أريد بالأوّل جلائل النعم وبالثاني دقائقها يجوز كل من طريقي التتميم والترقي نظرا لمقتضى الحال ، ولما كان الملتفت إليه بالقصد الأوّل في مقام العظمة والكبرياء عظائم النعم دون دقائقها قدّم الرحمة وأردفه بالرحيم كالتتمة تنبيها على أن الكل منه لشمول عنايته ذرّات الوجود كي لا يتوهم أنّ المحقرات لا تليق به ، فيستحيا أن يسألها وقد توهم أنّ تأخير الرحيم للترقي ، وأنه أبلغ من الرحمن لأنّ فعيلا للأمور الغريزية كشريف وكريم وفعلان للعارضة كسكران وغضبان ، وأبطل بأنه من باب فعل بالضم لا من صيغة فعيل انتهى . وهذا بعينه كلام المدقق في الكشف وفيه بحث من وجوه : منها أنه لا يلزم أن يكون الأبلغ مشتملا على معنى الأدنى بل يكفي أن يستلزم وجوده وجود الآخر بالطريق الأولى ، وكذا عكسه في النفي بحيث يكون ذكر الآخر بعده لغوا لا يليق بكلام البليغ وبليغ الكلام ، ألا تراك تقول فلان يهب المئات والألوف ، ولو عكست قبح وقد اعتبر الزمخشريّ الترقي في قوله تعالى :لَنْ يَسْتَنْكِفَ الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْداً لِلَّهِ وَلَا الْمَلائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ[ سورة النساء ، الآية : 172 ] وفي قوله :وما مثله ممن يجاور حاتم * ولا البحر ذو الأمواج يلتج زاخره « 1 »مع أنّ الملائكة والبحر ليسا من جنس ما قبلهما كما في شرح الطيبي طيب اللّه ثراه . ومنها أنّ قوله وإذا لم يكن الأبلغ مشتملا على مفهوم الأدنى الخ تبع فيه صاحب التقريب حيث قال : إنّ ذلك فيما إذا كان الثاني فيه من جنس الأوّل وفيه زيادة عليه ، والرحمن لجلائل النعم وأصولها ، والرحيم لدقائقها وفروعها فلما لم يكن في الثاني زيادة على الأوّل كان كائنه من جنس آخر ، وقد ردّه الكرماني في حواشيه بقوله إن أراد إن الجنسية تعتبر فيما يجري فيه الترقي ، فلم قال : إنها مفقودة في هاتين الصيغتين مع اشتمالهما على معنى الرحمة وأحدهما أبلغ من الآخر وإن أراد أنّ الصيغتين لا بدّ أن يتفقا في خصوص المعنى كجواد وفياض فغير
هامش
( 1 ) التلجلج : التردد في الكلام . والتجت الأصوات : اختلطت كما في القاموس .