الأوّل قيل يا رحمن الدنيا لأنه يعم المؤمن والكافر ورحيم الآخرة لأنه يخص المؤمن ، وعلى الثاني قيل يا رحمن الدنيا والآخرة ورحيم الدنيا لأنّ النعم الأخروية كلها جسام ، وأمّا النعم
شرح
المؤبد ، فهذه وجوه أربعة سيأتي شرحها وتمثيلها . قوله : ( فعلى الأوّلى قيل يا رحمن الدنيا الخ ) أي على اعتبار المبالغة في الكمية خص الرحمن بالدنيا دون الرحيم ، فإنه خص بالآخرة لكثرة المرحومين فيها كما بينه المصنف رحمه اللّه ، وهذا بناء على أنّ النعم فيها تعم المؤمن والكافر والبر والفاجر ، وإن كانت النعمة التامّة مخصوصة بالمؤمنين لاتصالها بسعادة الأبد ، وقيل لا نعمة للّه على كافر والصواب ما مرّ ، فإن قلت كيف تختص رحمة الآخرة بالمؤمنين ، وقد ورد في الحديث الشريف شفاعته صلى اللّه عليه وسلم لعامّة الناس من هول الموقف « 1 » وأنه يخفف عنهم العذاب في الآخرة كما ورد في حق أبي طالب « 2 » وارتضاه المصنف رحمه اللّه في سورة الزلزلة ، فلو قال : لعموم رحمة الدنيا لجميع المؤمنين والكافرين خفت المؤنة قلت : قد أورد هذا بعضهم ، وأجاب عنه بأنّ الكفار في الأوّل تبع غير مقصودين كيف ، وهم بعد الموقف يلاقون ما هو أشدّ من هو له ، فليس ذلك رحمة في حقهم ، وتخفيف العذاب مما تردّد فيه المصنف رحمه اللّه ، وعلى فرض تخفيفه قيل أنه ينزل من مرتبة من مراتب الغضب إلى مرتبة دونها ، فليس رحمة من كل الوجوه ، ولا ينافي العذاب فتدبر . قوله : ( وعلى الثاني قيل يا رحمن الدنيا والآخرة ورحيم الدنيا ) أي على اعتبار المبالغة في الكيفية قيل ذلك وبين بأن كثرة الجلائل تستلزم كثرة الجلالة ، وهي كيفية النعم إلا أنه قيل عليه إنّ هذا يصح أن يكون بالاعتبار الأوّل لأنّ نعم الدنيار والآخرة تزيد على نعم الدنيا ، وردّ بأنه يلزم أن يكون ذكر رحيم الدنيا بعده لغوا إذا لمراد معطى نعمهما كليهما ، وقد حصل بإضافة الرحمن إليهما .
وأجيب عنه بأن لا نسلم أنّ المراد مجرّد ذلك بل مقصود القائل التوسل بكلا الاسمين المشتقين من الرحمة في مقام طلبها مشيرا إلى عموم الأوّل وخصوص الثاني ، ويحصل في ضمنه الاهتمام برحمته الدنيوية الواصلة إليه بالباعثة لمزيد شكره ، وقد اعترض عليه بأنّ الوارد في الأحاديث المرفوعة كما رواه الترمذي والحاكم في دعاء مأثور فيه : « اللهم فارج الهمّ كاشف الغمّ مجيب دعوة المضطر رحمن الدنيا والآخرة ورحيمهما أنت ترحمني فارحمني رحمة تغنيني بها عمن سواك » « 3 » وليس الآخران مرويين ولا صحيحين حتى يستدل بهما والقول بأنّ المصنف لم يذكر أنهما واردان في الحديث ، فيكفي كونهما من كلام السلف الأخيار ليس بشيء ، وأمّا
هامش
( 1 ) انظر حديث الشفاعة في صحيح البخاري 4476 و 6565 و 7410 ومسلم 193 .
( 2 ) حديث شفاعة النبي صلى اللّه عليه وسلم لعمه طالب أخرجه البخاري 6564 و 388 ومسلم 210 وأحمد 2 / 9 و 50 أبو يعلى 1360 عن أبي سعيد الخدري مرفوعا .
( 3 ) أخرجه الحاكم 1 / 515 والبزار 3177 من حديث عائشة .
قال الهيثمي في المجمع 10 / 186 : وفيه الحكم بن عبد اللّه الأيلي ، وهو متروك اه وقال أحمد :
أحاديثه كلها موضوعة .