على ما فيها وأسماء اللّه تعالى إنما تؤخذ باعتبار الغايات التي هي أفعال دون المبادئ التي
شرح
فيه جسمانيّ وبينهما مباينة تنافي أخذ أحدهما من الآخر فلا وجه قوله ومنه الرحم .
وأجيب بأنّ الانعطافين سببان للحفظ ، فاستعيرت الرحمة لانعطاف الرحم ، واشتق منها اسم لها ، وقيل : أنه أراد هنا بالانعطاف الميل الروحاني أعني الشفقة والرقة لا الجسماني لأنه ليس معنى الرحمة ، وإن كان مسببا عنه ومشابها له ، ومدلولا لبعض ما يلاقيه في الاشتقاق كالرحم والميل الروحاني هو المقتضى للتفضل والإحسان يعني أنّ وصفه بالاقتضاء المذكور للاحتراز عن الجسماني ، فإنه ليس معنى الرحمة كما صرح به بعضهم ، وهذا كله واه ، فاصغ لما يتلي عليك ، فإنه ورد في الحديث الصحيح « الرحم شجنة من الرحمن » « 1 » .
وقال الإمام القرطبيّ : إنه نص في الاشتقاق فلا مجال للشقاق .
وقال الراغب في معنى الحديث أنه تعالى لما جعل بين نفسه وبين عباده سببا كما أنه كتب على نفسه الرحمة لهم وأوجب في مقابلتها شكر نعمته لما كان هو السبب الأوّل في وجودهم وخلق قواهم ، وقدرهم وسائر خيراتهم كذلك جعل بين ذوي اللحمة بعضهم مع بعض سببا أوجب على الأعلى التوقر على الأدنى ، وعلى الأدنى توقير الأعلى فصار بين الرحم والرحمة مناسبة معنوية كما أنّ بينهما مناسبة لفظية ، ولذا عظم شكر الوالدين ، وقرنه بشكره لأنهما السبب الأخير في الوجود يعني أنّ بين الرحمة والرحم مع الاشتراك في الحروف مناسبة ومشابهة معنوية ، وذلك كاف في صحة الاشتقاق كما يرشدك إليه تعريفه السابق ، فإن لنا حالة روحانية تثبت للنفس وكيفية أخرى للقلب وحالة ثالثة جسمانية تشابه الأولى في الحفظ ، وقد تنشأ وتتسبب عنها كما يشاهد في اعتناق الأحباب ، وهؤلاء توهموا أنه لا بدّ من اتحاد معناهما ، وهو من قصور النظر فلا يغرّنك ما هنا من الأوهام الناشئة من عدم ، فهم المرام كقول بعض علماء العصر أنّ المصنف إنما فصلها بقوله : ومنه إشارة إلى أنه مشترك مع الرحمة في المادّة لا أنه مشتق منها فافهم . قوله : ( ومنه الرحم لانعطافها على ما فيها ) الرحم بفتح الراء وكسر الحاء موضع يكون الولد فيه ، وقد يخفف بتسكين الحاء مع فتح الراء وكسرها في لغة ، وفي لغة بكسر الحاء اتباعا للراء ثم سميت القرابة رحما ، وهي مؤنثة وقد تذكر . وقوله :
( لانعطافها الخ ) إشارة إلى ما بينهما من المشابهة ، والمناسبة الكافية في صحة الاشتقاق كما عرفته . قوله : ( وأسماء اللّه تعالى إنما تؤخذ الخ ) قيل المراد مطلق أسماء اللّه تعالى ، أو المأخوذة من الرحمة ، كالرحمن الرحيم وأرحم الراحمين ، وكان المراد الثاني لكن سياق المصنف رحمه اللّه حينئذ ركيك مخالف للظاهر .
وأمّا الأوّل : فغير صحيح لأنّ من أسمائه ما هو حقيقة من غير تأويل كاللّه الحيّ القاهر
هامش
( 1 ) أخرجه البخاري 5988 وأحمد 2 / 295 و 383 وابن حبان 442 من حديث أبي هريرة .