وتنوّر روحه وتقدّس جوهره وصفاء ذهنه ، إمّا بحسب الفطرة كما للأنبياء والأولياء ، أو بحسب الرياضة كما للحكماء والعلماء .
ولهذا قال بعض الحكماء : « من أراد الحكمة الإلهيّة فليستحدث لنفسه فطرة أخرى » .
فالأنبياء لغاية نقاء أذهانهم وفرط ذكاء عقولهم أخذوا هذا العلم عن الملائكة الفعّال وحيا وإلهاما بتأييد اللّه - عزّ وجلّ - وأمّا الجمهور من الناس فليس لهم طريق إلى هذه المعرفة إلّا ايمانا وتسليما وتصديقا بما جاء به المخبرون الصادقون عن اللّه تعالى .
وأمّا الذين لا يرضون أن يأخذوا هذا العلم تسليما وتصديقا ، بل يريدون طريق الكشف والبرهان ، والوصول إلى الحقائق واستيضاحها بالبصائر « 8 » العقليّة - التي نسبتها إلى العقليّات الحقيقيّة المنوّرة بنور الحقّ نسبة البصر إلى الحسيّات الماديّة المستنيرة بنور الشمس - فهم يحتاجون إلى أن يكون لهم نفوس زكيّة وقلوب صافية وآذان واعية وأخلاق طاهرة ، وأن يكونوا غير متعصبّين لمذهب دون مذهب في هذه الآراء التي لا تختلف باختلاف الأديان والملل ، كما نبّه عليه قوله تعالى :
آمَنَ الرَّسُولُ بِما أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقالُوا سَمِعْنا وَأَطَعْنا غُفْرانَكَ رَبَّنا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ * لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَها لَها ما كَسَبَتْ وَعَلَيْها مَا اكْتَسَبَتْ
[ 2 / 285 - 286 ] .
فهذه الآية إشارة إلى هذه المراتب الثلاثة للإنسان في الاعتقاد بالمعارف الإلهيّة .
هامش
( 8 ) بالبصيرة - نسخة .