تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القرآن الكريم — صفحة 387

مساهمون:

ص٣٨٧
فقد ظهر أنّ اللّه تعالى لسابق قضائه الأزلي نظّم ترتيب العالم الاخرويّ على وفق نظامه للعالم الدنيوي ، فكما أنّ بعض الناس بحسب الحالة الدنياويّة سعيد وبعضهم شقيّ ، فهكذا في الآخرة بعضهم سعداء أخيار وبعضهم أشقياء أشرار . كلّ ذلك يدلّ على علمه بوجه النظام الأوفق وقدرته على إيجاد كلّ مرتبة من الوجود وإعطائه لكلّ شخص ما هو له أليق . وكما أنّ السعادة قسمان : دنيويّة واخرويّة . والدنيويّة قسمان : داخليّة - كالصحّة والسلامة - وخارجيّة - كترتّب أسباب المعاش وحصول ما يحتاج إليه من المال والجاه - . والاخرويّة أيضا قسمان : علميّة - كالمعارف والحقائق - وعمليّة - كالطاعات والخيرات - . فكذلك يتعدّد أقسام الشقاوة بإزائها ، لكنّ السعادة والشقاوة بحسب العلم والجهل ذاتيّتان أزلا وأبدا ، مخلّدتان دائما وسرمدا : وأمّا بحسب الأعمال الحسنة والسيّئة فيترتّب عليها المجازاة والمكافات ، ويتقدر بحسبها المثوبات والعقوبات ، كقوله تعالى :
جَزاءً بِما كانُوا يَكْسِبُونَ
[ 9 / 82 ] فلا يكون أصحاب هذه الشقاوة مخلّدة إلّا ما شاء اللّه ، ويتركّب بعضها مع بعض ويتفرّد ، إلّا أن أكثر السيّئات وأكبرها يتبع الجهل المركب ، وأغلب الحسنات وأعظمها يتبع العلم . ولهذا قد وقعت أوّلا الإشارة إلى قسمة الخلق بالسعادة والشقاوة اللتين بحسب العلم والجهل - المعبّر عنهما بالتّذكر والتجنّب - إلى من يخشى بسبب تذكّره الأمور الآخرة ، وإلى من لا يخشى بجهله وغفلته عنها ، وبيّنت وخامة عاقبة الموصوف بشقاوة الجهل بأشدّ وجه حيث عبّر عنه بصيغة التفضيل ،
تفسير القرآن الكريم — صفحة 387 | محمد خواجوى / صدر الدين محمد الشيرازي ( صدر المتألهين )