مع الدنيا ولذّاتها ، فقد فارق ما كان محبوبا وذهب إلى موضع ليس له به معرفة ولا له بأهل الآخرة انس ومعارفة ، فبالضرورة كان له أذى عظيم أعظم من احتراق هذه النار الدنياويّة التي هي النار العنصري « 3 » كل ذلك لأجل إعراضه عن الذكر في أمر آخرته عند رجوعه إلى بارئه ، كما في قوله تعالى :
وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً
[ 20 / 124 ] .
وقد ظهر بالمشاهدة الروحانيّة - للأنبياء ومن تبعهم حقّ المتابعة - ظهورا أوضح من المعاينة الحسيّة إنّ أصناف الآلام الاخرويّة المتعاقبة « 4 » على روح من آثر الحياة الدنيا ثلاثة كلّها روحانيّة ، واقعة قبل مقاساة عذاب النار الجسمانيّة ، التي تكون في آخر الأمر وهي حرقة المشتهيات ، وخزي خجلة المفضّحات ، وحسرة فوت المحبوبات .
وبيان كلّ منها يحتاج إلى بسط في الكلام لا يسعه هذا المقام .
- وبالجملة - العذاب والألم ليس منحصرا في الإحراق بالنار والتجميد بالزمهرير ، الذين مرجع التألّم فيهما إلى تفرّق الاتّصال في جوهر مباين لجوهر الروح ، التي لها نوع تعلّق جسمي وارتباط شوقيّ به وبأحواله بسبب ذلك يتألّم بفقد حالة من حالاته ، وبالحقيقة منشأ هذا التألّم الحاصل من النار الجسمانيّة - الذي يكون أشدّ مراتب الآلام الحسيّة - هو المحبّة والإلف بالبدن ، وهو جسم ، والأجسام خارج عن حقيقة الروح .
فإذا كان هذا حال الروح لأجل فقد الاتّصال أو الامتزاج بين أجزاء هذا المحبوب المباين عن ذات الروح ، فيكف يكون حالها عند وجدان الخلل
هامش
( 3 ) الصغرى - نسخة .
( 4 ) المعاقبة - نسخة .