تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القرآن الكريم — صفحة 383

مساهمون:

ص٣٨٣
عواقب الأمور ونسيانه أمر الآخرة وأمر النفس وكيفيّة عوده إلى النشأة الثانية . فالقسم الأوّل هو المشار إليه بقوله :
سَيَذَّكَّرُ مَنْ يَخْشى
فإنّ الخشية والتذكّر متلازمان ، كلّ منهما يوجب الآخر . فإنّ من سمع دعوة الأنبياء ثمّ خطر بباله أنّ هذه الدنيا واهية فانية داثرة فاسدة على كلّ حال : فلو لم يشتغل بعمارة النشأة الآخرة فربما وقع في الهلاك السرمدي ، فقد حصل له الخوف . فإذا حصلت له هذه الخشية تحمله على النظر في دعوة الأنبياء والتأمّل في أمور الآخرة ومراتب سعادة النفس وشقاوتها وما به نجاتها أو هلاكها ، وهذا التذكّر وهذا التذكير يبعثه على الاجتناب عن المعاصي والرذائل ، والاكتساب للطاعات والفضائل خوفا من الهلاك والعذاب وطمعا للنجاة والراحة ، فهو الذي ينتفع بدعوة الأنبياء . وأمّا القسم الثاني الذين لا ينتفعون بدعوتهم ولا يحملهم الخشية على تحصيل الدرجات وطلب التخلّص عن العقوبات ، فإليهم الإشارة بقوله تعالى :
وَيَتَجَنَّبُهَا الْأَشْقَى * الَّذِي يَصْلَى النَّارَ الْكُبْرى
وذلك لأنّ من أعرض عن ذكر الآخرة لأجل تسلّط الشهوات الدنياويّة على قلبه واستيلاء الحرص في طلب المآرب الحيوانيّة من المال والجاه والنساء والبنين وغيرها على طبعه ، لا يكون بصدد استكمال النفس بالعلم والعمل ولا يشتغل بفعل الطاعات وترك المعاصي والشهوات فيتوغّل في الدنيا الدنيّة ويخلد إلى الأرض ويستحكم علاقته مع البدن والشهوات ويقوي محبّته لها . وكلّ من اشتدّت محبّته وعلاقته لشيء فإن زال اشتدّت محنته ومصيبته عند مفارقته ومزايلته عنه ، فإذا مات الإنسان الذي تأكّدت علاقته الشوقيّة
تفسير القرآن الكريم — صفحة 383 | محمد خواجوى / صدر الدين محمد الشيرازي ( صدر المتألهين )