للتذكير لكن ليس الغرض منه أنّ تذكيره صلّى اللّه عليه وآله إيّاهم مشترط بالنفع ، بل الرسول مأمور بالوعظ والتذكير مطلقا - سواء نفع أو لم ينفع - كما أنّ الشمس من شأنها الإضائة والتنوير ، سواء قبلت الأجسام التي تحاذيها أم لم يقبل .
فنفس النبي صلّى اللّه عليه وآله في إفاضة الأنوار العلميّة على النفوس بمنزلة الشمس في إفاضته الأنوار الحسيّة على الأجسام المختلفة الاستعداد لقبول النور ، ونفوس الناس بعضها بمنزلة القمر ، وبعضها بمنزلة الأجسام المستنيرة كالمرائي الصقيلة ، وبعضها بمنزلة الأجسام المظلمة الكدرة ، بل الغرض منه الإشعار بغباوة بعض النفوس وتعصيّهم عن إدراك الحقائق والإخبار عن غلظة طبائعهم وجمود قرائحهم ، والاستبعاد لتأثير الذكرى فيهم ، والتسجيل على قلوبهم بالطبع والرين ، كما تقول للواعظ : « عظ فلانا إن سمع منك الوعظ وقبل النصيحة » . قاصدا بهذا الشرط مجرّد الاستبعاد لذلك وأنّه لن يتحقّق ، لا غيره .
فظهر من هذه المباحث إنّ اللّه تعالى كما يعلم الكليّات والعقليّات يعلم الجزئيّات والحسيّات . وكما يعلم الجهريّات النوريّة العقليّة يعلم الخفيّات الظلمانيّة الحسيّة . وكما أنّه واقف بأسرار القلوب ومطلّع على ضمائر العقول كذلك بصير بأعمال العباد ، سميع بأقوال خلقه في البلاد .
فسبحان الذي لا يجري شيء في ملكه وملكوته إلّا بقضائه وقدره ، وسبحان من تقدّست ذاته عن أن يغفل عن ما يفعل عباده من خيره وشرّه ونفعه وضرّه .
تفسير القرآن الكريم — صفحة 381
مساهمون: محمد خواجوى
ص٣٨١