تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القرآن الكريم — صفحة 378

مساهمون:

ص٣٧٨
وأمّا الإشارة إلى تكميل نفس النبي صلّى اللّه عليه وآله في القوّة العمليّة وبحسب نسبته إلى الخلق فهو المراد في قوله :
وَنُيَسِّرُكَ لِلْيُسْرى
لانّ معناه ونوفّقك للطريقة التي هي أيسر وأسهل ، ووجه ذلك أنّ الناس كلّهم مشتركون في أصل القدرة على الفعل الحسن والفعل القبيح ، والعفّة والفجور ، والورع والفسوق إلّا أنّ من الإنسان من يكون وجه تحصيل الملكات الفاضلة عليه أسهل ، وطبعه عن الصفات الرذيلة أميل ونفسه على سلوك طريق الخير والسعادة أقدر ، والاجتناب عن طريق الشرّ والشقاوة عليه أيسر ، لكونه شريف النفس نجيب الطبع . وهذه السهولة في الطبع عبارة عن الصفة المسمّاة بالخلق ، فمن كان سعيدا ، لطيف الذات ، شريف النفس ، طاهرا زكيّا نقيّا ، كانت نفسه سهل القبول للسعادات ، يسير التفهّم لوجوه الخير في الأعمال والأفعال ، سريع الانقياد لطاعة الحقّ ، شديد الانفعال عن المبدإ الفعّال ، قويّ الاتّصال بالواهب الفيّاض المتعال ، فلا محالة يكون بما استفاض وتعلّم من الجنبة العالية من الخيرات والعلوم والكمالات مفيضا على بني نوعه ، ومعلّما لقومه وهاديا ومرشدا لمن دونه من امّته ، فقوله تعالى
وَنُيَسِّرُكَ لِلْيُسْرى
إشارة إلى هذه الدرجة ، كما أنّ قوله تعالى :
وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ
[ 68 / 4 ] إشعار باستحقاق نبيّنا بحسب خاصيّة ذاته وقوّة نفسه وصفاء فطرته وتنوّر عقله مرتبة النبوّة والرسالة . فقد وقعت الإشارة إلى اتّصاف النبيّ صلّى اللّه عليه وآله بمجموع الكمالين الذين لا بدّ للنبيّ من حيث هو نبيّ أن يجتمعا فيه ، وأشير أوّلا إلى كمال القوّة النظريّة التي بحسب حاقّ جوهر نفسه ، ثمّ إلى كمال القوّة العمليّة