بحسب نسبته إلى غيره وتدبيره لما دونه ، فقوله :
وَنُيَسِّرُكَ لِلْيُسْرى
معطوف على قوله :
سَنُقْرِئُكَ
وقوله :
إِنَّهُ يَعْلَمُ الْجَهْرَ وَما يَخْفى
اعتراض .
وقيل : المراد من اليسرى : الشريعة السمحة التي هي أيسر الشرايع وأسهلها مأخذا . وقيل : نوفّقك لعمل الجنّة . وهذين الوجهين مرجعهما إلى ما ذكرناه فتأمّل فيه - .
وأمّا المقصد الثاني من النبوّة فهو الاشتغال بدعوة الخلق إلى طريق الحق . وسياقهم إلى جوار اللّه وعالم الملكوت .
وقد أشرنا إلى أنّ من كان كاملا في مجموع القوّة النظريّة والقوّة العملية في الغاية ، بحيث يقدر على تكميل غيره فهو النبي ، وإن لم يكن كاملا في المجموع بل في النظريّة فقط ، مستغرقا في شهود جمال الحقّ وجلاله بحيث لا يسعه الاشتغال عنه إلى ذاته المستنيرة بنور اللّه - فضلا عمّا هو خارج عنه وعن مولاه - فهو الوليّ الكامل والفاني المضمحل .
ومقام النبي صلّى اللّه عليه وآله أعلى من مقام الوليّ المحض مجرّدا عن الرسالة ، لأنّ الكمال المطلق إنما يتحقّق بأن يكون الشيء تامّا وفوق التمام ، وضيق الصدر عن أحد الجانبين - وهو جانب الخلق مع سعته لجانب الحقّ - نوع قصور ، والكامل المطلق من كان جالسا في الحدّ المشترك بين عالم الأمر وعالم الخلق ، واسعا صدره الخلق والحقّ ، ويكون تارة مع اللّه بالعبوديّة والحبّ له ، وتارة مع الخلق بالشفقة والرحمة عليهم ، فإذا رجع من ربّه إلى الخلق صار كواحد منهم كأنّه لا يعرف الحق ، وإذا خلا بربّه مشتغلا بذكره وخدمته فكأنّه