تحفظه ثمّ لا تنساه « 5 » .
وقوله تعالى :
إِلَّا ما شاءَ اللَّهُ
قيل : الغرض منه نفي النسيان رأسا كما يقول الرجل لصاحبه : أنت سهمي فيما أملك إلّا فيما شاء اللّه ولا يقصد استثناء شيء . وهو من استعمال القلّة مكان النفي .
وقيل : قوله :
فَلا تَنْسى
على النهي ، والألف مزيدة للفاصلة يعني فلا تغفل قرائته وتكريره فتنساه إلا ما شاء اللّه أن ينسيكه بنسخه ، من رفع حكمه وتلاوته . وعلى هذا فالإنساء نوع من النسخ .
وقيل : إن جوهر النفس الإنسانيّة ما دامت في هذه النشأة الظلمانيّة الهيولانيّة لا تصير عقلا صرفا لا يكون فيه ما بالقوّة ، فلا جرم قد يلحقها فتور في قدرتها وضعف في حفظها وإمساكها للمعقولات .
وأقول : يمكن أن يقال : إنّ المعقولات التي هي بمنزلة الدعائم والأصول في المعارف الإلهيّة كانت بحيث لا يتطرق إليها الغفلة والنسيان عنها في نفس النبي صلّى اللّه عليه وآله ، وهي التي لم يجز النسخ في حكمها ولا الخلاف بين ملل الأنبياء عليهم السّلام بحسبها ، وأمّا ما لم تكن « 6 » بهذه المثابة فهي المعقولات التي بمنزلة الفروع والفضول ، فيجوز فيها الإهمال والنسيان والاختلاف في ثبتها ونسخها بحسب اختلاف الأزمنة وأحوال الأمم .
وأمّا قوله تعالى :
إِنَّهُ يَعْلَمُ الْجَهْرَ وَما يَخْفى
فهو إشارة إلى إثبات العلم له تعالى والتخلص « 7 » عن ذميمة الجهل والنقص .
وبيانه : إنّه لمّا وعد نبيّه صلّى اللّه عليه وآله أن يجعل جوهر نفسه
هامش
( 5 ) الكشاف : 3 / 331 . وجاء ما يقرب منه في مجمع البيان : 10 / 475 والدر المنثور : 6 / 339 .
( 6 ) واما التي - نسخة .
( 7 ) والتجرد - نسخة .