تعالى بوساطة بعض ملائكة العقليّة لا بالتعلّم ، وإلّا لم يكن متوسّطا بين الحقّ والخلق ، بل بين الخلق والخلق ، فلم يكن ما فرضناه نبيّا نبيّا - هذا خلف - .
ولا بدّ أن يكون كاملا فيما يتعلّق بالأحكام والسياسات الدينيّة ، مؤيّدا بالمعجزات الظاهرة ، ليكون دعوته للخلق مسموعا لهم خوفا من سطوته وسياسته . وإلّا فالجحود والإنكار والاستنكار عن سماع الحقّ والاشتغال بطلب الشهوات غالب على أكثر الخلق ، فلا يمكن إيصال المعاني اللطيفة إلى قلوبهم إلا بعد أن تلين قلوبهم ويسكن إنكارهم ويزول استكبارهم .
فثبت إنّ النبي لا بدّ وأن يكون كاملا في القوّتين ، العقل والعمل ، قويّا في النشأتين ، الأخذ من الحقّ والتبليغ إلى الخلق .
ولمّا ثبت بالبرهان أنّ القوّة العاقلة وكمالها أشرف من القوّة العاملة وكمالها لا جرم وجب تقديم العاقلة من جهة شرفها في الذكر على العاملة وإليه وقعت الإشارة بقوله :
سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنْسى
والمعنى إنّه سبحانه بشّره بإعطاء قوّة ملكوتيّة ونور عقلانيّ يتقوّى بها جوهر روحه ويكمل بحيث يصير نفسا قدسيّة ونورا شعشعانيّا مشرقا بالعلوم الحقيقيّة والمعارف الإلهيّة ، ويصير بحيث إذا عرف شيئا لا ينساه ، ويكاد زيت نفسه الناطقة يضيء بنور عقله المستفاد من الجوهر المفارق العقلاني الذي هو نار معنويّة من نور اللّه ، ولو لم تمسسه نار التعليم البشري .
وهذا هو الذي فهمناه ، من قوله تعالى :
سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنْسى
لما
روي إنّه صلّى اللّه عليه وآله كان يعجل بالقراءة إذا لقنه جبرئيل عليه السّلام ، فقيل له : لا تعجل ، فإنّ جبرئيل مأمور بأن يقرأ عليك قراءة مكرّرة ، إلى أن