- إذ العام لا وجود له في الخارج - وقد ثبت تساوي نسبته إلى سائر الأجسام فيلزم الترجيح من غير مرجّح ، ولأنّه لو كان جسما لامتنع كونه موجدا لجسم ، لامتناع تقدّم بعض أفراد طبيعة واحدة على بعض واولويّته منه - حسبما تقرّر في مقامه - .
وأمّا الثاني فلأنه لو كان أحدهما لزم إمّا اختصاصه بفرد من الجسم ، أو افتقاره إليه - وقد نفيناه عنه .
وقد علم أيضا من التسوية تصرّفه في الأجسام كيف يشاء في التركيب والتفصيل ، والنضج والتحليل « 6 » ، فلا يكون جسما ولا يكون جسمانيّا .
وأمّا الاستدلال على ذلك بنفس الحيوان فهو قوله :
الَّذِي قَدَّرَ فَهَدى
لأنّ معناه : إنّه سبحانه قدّر لكلّ واحد من أعضاء الحيوان وأجزائه المخصوصة قوّة مختصّة بذلك العضو ، مصدرا لأفاعيله ، ومبدأ لآثاره ومنافعه ومصالحه ، مثل القوّة الباصرة للعين ، والسامعة للاذن ، والهاضمة للمعدة ، والنفسانيّة للدماغ ، والحيوانيّة للقلب ، والطبيعية للكبد ، فقدّر لكلّ مزاج حيوانيّ نوعا من القوى ، وجعل كلّ مركّب مزاجي آلة لقوة نفسانيّة أو طبيعيّة ، وهداها إلى خصائص أفاعيلها وخصوصيّات ما ينفعل منها ، وألهمها وأوحيها إلى ما ينتفع منها .
فانظر إلى النحل كيف أوحى اللّه تعالى إليها في وضع بيوتها على هيئة المسدّسات ، وإلى العنكبوت كيف هداها إلى وضع المشبّكات لاقتناص ما يتقوّت به من الذباب والبعوضة .
هامش
( 6 ) والتنقيح والتحليل - نسخة .