في وجوده عن درجة الأجسام الاستدلال عليه بخلق الحيوان الذي هو أشرف ما في العناصر والأركان بنوعين من البيان حسب تركّب حقيقته من النفس والبدن .
أمّا الاستدلال على علوّ ذاته وسمّو صفاته عن درجة الأجرام بخلقة الحيوان ، فهو الذي أشار تعالى إليه بقوله تعالى :
الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى
.
وذلك : أنّ بدن كلّ حيوان مقدّر بمقدار معيّن وكميّة خاصّة يتعيّن له ويختصّ به ، لأجل صدور أفعاله المختصّة وحركاته وانفعالاته الناشئة عن قوّته التحريكيّة والإحساسيّة ، فلا جرم قدر الباري بعنايته المحكمة لكلّ حيوان مقدارا من التجسّم الصالح لصدور أفعاله وآثاره الحيوانيّة ، وهذا التقدير هو الخلق ، لأنّ الخلق في اللغة هو التقدير .
وأيضا كلّ بدن حيواني مركّب من عناصر وأجزاء بعضها حارّ خفيف وبعضها بارد ثقيل وبعضها رطب لقبول الهيئة والتشكّل وبعضها يابس لحفظ ما أفيد من التقويم والتعديل ، ويجب أن يكون لكلّ منها قدر معيّن ليقع بينها التصالح والتقاوم ، حتّى يتولّد عن كيفيّاتها المتعادلة المتفاوتة « 5 » المزاج المخصوص ، ولو زادت تلك الأجزاء أو نقصت كان الحادث غير مزاجه الخاصّ به ، وهذا هو التسوية .
فعلم من إيجاده قدرا معيّنا من أقدار الجسم لائقا بخلقه نوع من الحيوان ، وقدرا معيّنا آخر منها لائقا بخلقه نوع آخر منه تساوي نسبته إلى جميع الأجسام ، وكلّ ما يكون كذلك لا يكون جسما ولا جسمانيّا .
أمّا الأوّل فلظهور أنّه لو كان جسما لكان فردا خاصّا منه له مقدار معيّن
هامش
( 5 ) المتقاومة - نسخة .