- وهي أيضا - علّة الصورة لا بهذا المعنى ، بل بمعنى آخر .
فالإنسان صورته نفسه الناطقة ، ومادّته حاصلة من الطين اللازب ، ثمّ من المني المركّب من العناصر الحاصل منه الأخلاط الأربعة ، ومن لطافتها ودخانيّتها الأرواح البخاريّة ، ومن كثافتها ورماديّتها الأعضاء . ويتوسّط بينهما الأعصاب والعروق والأوردة والشرائين والعضلات ، ومجموعها البدن ، وهو المادّة القريبة للإنسان المأخوذ منها جنسه ، وفصله مأخوذ من النفس التي صورته ، وفاعله الملك المتصرّف فيه بأمر اللّه بامداد ملائكة أخرى موكّلة على السماوات والأرضين ، كما أشار إليه بقوله :
عَلَيْها حافِظٌ
.
وغايته عبادة اللّه وطاعته كما أشار إليه بقوله :
وَما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ
[ 51 / 56 ] .
فلذلك أمره ووصّاه بالنظر في أسباب مهيّته ووجوده في نشأته الأولى ، ليعلم ويستدلّ بها على قدرته تعالى على النشأة الثانية كما نبّه عليه قوله تعالى :
وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ النَّشْأَةَ الْأُولى فَلَوْ لا تَذَكَّرُونَ
[ 56 / 62 ] اي : حال نشأتكم الثانية والنظر في ترتيب أمور معلومة للتأدّي إلى مجهول ، فمادّته خلقة الإنسان وصورته من حيث هو صورته من هذه النشأة . وأمّا فاعله وغايته فلهما النشأة الأخرى .
والمادّة أقدم في الزمان ، فقدّمت معرفتها وسبيل النظر إليها والاستدلال بها على غيرها ، فقال :
فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسانُ مِمَّ خُلِقَ
أتى بالماء الاستفهاميّة المستعملة لطلب تمام حقيقة الشيء أو شرح ماهيّته ، ومرتبتها بأوّل الوجهين بعد « هل البسيطة » الطالبة للتصديق بوجوده وبالثاني قبلها ، إذ ما لم نعلم شرح اسم الشيء لا نطلب معرفة وجوده فأجاب بقوله جلّ اسمه :