وأمّا الثاني : فلما علمت من أنّ المعقول لا تحلّ الجسم المنقسم بالمقادير الوضعيّة ، فإذن لها مكمّل ، وهو ملك مقرّب عقليّ لم يكن فيه جهة القوّة والاستعداد أصلا ، وإلّا لكانت نفسا محوجة إلى مخرج آخر إيّاها ومكمّل لها ، فيتسلسل أو يدور - وكلاهما محال - أو ينتهي إلى أمر عقليّ بالفعل وهو مطلوبنا .
فكلّ نفس لها حافظ من جواهر الملائكة المقرّبين يحفظ لها وعليها كمالاتها ، إذا اتّصلنا بها « 36 » ايّدنا بالأنوار وكتب في قلوبنا الايمان لأنّه قلم الحقّ الأوّل وإذا أعرضنا عنه بالتوجّه إلى المحسوسات انمحت الكتابة .
ونفوسنا كمرآة إذا أقبلت إليه عند نقائها عن الكدورات والمعاصي قبلت ، وإذا أعرضت أو احتجبت تخلت . ونسبته إلى نفوسنا كنسبة الشمس إلى الأبصار .
وليست المقدّمات بذاتها موجدة للنتيجة لأنّها أعراض والعرض لا يوجد شيئا بل المقدّمات وغيرها معدّات ، والواهب غيرها .
فان قلت : ما الحاجة إلى اثبات هذا المبدإ العقلي بعد اثبات الحقّ الأوّل ؟
قلت : النفوس كثيرة ، لا بدّ لها من مبدأ ذي جهات كثيرة في الفاعليّة ، والجهات الكثيرة مرتبتها منحطّة عن مرتبة الذات الأحديّة الصرفة بمراحل كثيرة ، فلا بدّ من وسائط بيننا وبينه لغاية مجده وعلوّه ونهاية عجزنا وقصورنا ، فلا نصل إلى جنابه إلّا بعد طيّ مراتب حجابه .
هامش
( 36 ) كذا . والظاهر : به .