تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القرآن الكريم — صفحة 329

مساهمون:

ص٣٢٩
سمّيت به العقل المستفاد ، وعند ذلك شبّهت بالمبادي العالية ، صائرة عالما عقليّا يضاهي العالم العيني في الصورة لا في الموادّ . [ مخرج النفس من القوة إلى الفعل وحافظها ] فإذا علمت هذا فأعلم أنّ مخرج النفس من القوة إلى الفعل في كمالها العقلي ليست ذاتها ، إذ الشيء لا يخرج ذاته من النقص إلى الكمال ، وإلّا لكان الشيء أشرف وأكمل من ذاته ، ضرورة أنّ المعطي للكمال لا يقصر عنه ، ولأنّ جهة الفعل غير جهة الانفعال ، وهي ليست جسما مركبّا من مادّة وصورة - حتّى تفعل بإحداهما وتنفعل بالأخرى - ولا أيضا الجسم هو مكمّل النفس لأنّ مرتبته دون مرتبتها ، ولا نفس أخرى من نوعها إذ لا اولوّية لبعض أفراد طبيعة واحدة بحسب ذاته النوعيّة ، ولأنّ النفس - بما هي نفس - لا تؤثّر إلّا بمشاركة الجسم ووساطة الوضع وإلّا لكانت عقلا محضا ، وكم من نفس شريفة رامت إخراج نفس من القوّة إلى الفعل فسمعت من الحقّ :
إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ
[ 28 / 56 ] . فمخرجها إلى الكمال ملك كريم كريم روحانيّ عنده صور الأشياء بالفعل ، وهو فعّال المعقولات ومفيضها على قلب من يشاء بإذن اللّه تعالى . وأيضا : إنّ النفس إذا غابت عنها صورة عقليّة كانت أدركتها ولها الرجوع إليها متى شاءت دون كسب ، فلا بدّ من خزانة عقليّة تحفظ لها المعقولات عند ذهولها ، وليست الخزانة فيها أو في جسمها . أمّا الأوّل : فلعدم تجزّئها بجزأين ، بأحدهما تدرك وتتصرّف وبالآخر تحفظ وتخزن .