في تعيّنها ، ومع ذلك لكلّ منهما حاجة إلى الأخرى من غير استقلال كما علمت . أمّا الهيولي ففي وجودها وبقائها ، وأمّا الصورة ففي تشخّصها وتشكّلها ، فهما متلازمان في الوجود ، معان في التحقّق . فلا بدّ لهما من مقيّم يقيّم كلّا منهما بالأخرى ، وهو غير جسم ولا جسماني . فيكون هو الواجب الوجود أو ملكا مقرّبا عقلانيّا يديم كلّا منهما بالأخرى بإذن اللّه تعالى دفعا للدور والتسلسل .
وأمّا الوجه السادس : فهو إنّ لكلّ من السماويّات محرّكا نفسانيّا لها قوّة عقليّة ، وذلك لأنّ حركة السماء والكواكب ليست طبيعيّة لوجوه ثلاثة :
أحدها : إنّ الحركة الطبيعيّة تصدر عنها عند حالة غير طبيعيّة ، فهي مؤديّة إلى حالة طبيعيّة هي سكونها ، وذلك عند ارتفاع الحالة الغير الطبيعيّة ، والأفلاك وما فيها دائمة الحركات ما دام وجودها بإذن اللّه .
وثانيها : إنّ الحركة الطبيعيّة تطلب أمرا تسكن عنده طلبا على أقرب الطرق ، فهي إذن مستقيمة ، وحركاتها مستديرات - كما يشاهد - ولأنّ المستقيمة لا تصلح لأن يحفظ بها وجود الزمان المتّصل الذي يستحيل أن ينفصل أجزاؤه في الوجود ، اللهمّ إلّا في الوهم - كما قرّر في موضعه - .
وثالثها : إنّ الطبيعة لا تقتضي مهروبا عنه مطلوبا ولا تهرب عن مطلوبها ، والمستدير بخلاف ذلك .
فهي إذن غير طبيعيّة ولا قسريّة - إذ القسر خلاف مقتضى الطبع ، فهي نفسانيّة حيوانيّة . وليست مجرّد الحيوانيّة المطلقة منشأها ، إذ مطلوب الحيوان - بما هو حيوان - في حركته الإراديّة إمّا جلب منفعة وهو الشهوة أو دفع مضرّة
تفسير القرآن الكريم — صفحة 318
مساهمون: محمد خواجوى
ص٣١٨