قلت : لأنّ الفلكيّات في جواهرها وصورها وكيفيّاتها وكمّياتها اللائقة بها وسائر الأمور الممكنة في حقّها بالإمكان العامّ كانت بالفعل بحسب أوّل فطرتها ، ولم يبق فيها شيء بالقوّة إلّا أمر ضعيف الوجود سهل الحصول من باب النسب والإضافات ، وهي أوضاعها ، فيقصر وجودها عن الجمع بينها . فلو دامت على واحد لدامت الباقيات على القوّة العدميّة ، والقاصر عن استبقاء ذات ما « 25 » يسعى في استبقائها « 26 » النوعي ، فأخرجت أشخاصها إلى الفعل بما أمكنها من التبادل التعاقبي ، الجالب لإفاضة الأنوار من العوالي ، الراشح للخير الدائم على السوافل ، قصدا إلى تحصيل هذا الكمال ، الموجب لضرب من التقرّب إلى المبدإ الفعّال ، والتشبّه به مهما تيسّر من الأحوال والأفعال . لا قصدا إلى نفع السوافل إلا على نحو التبع والاستجرار وإلّا لزم كون المعلول علّة لكمال الفاعل .
ومن ظنّ أنّ المتشبّه به واحد ولكن الأفلاك جمعت بين غرضها ونفع السوافل « 27 » عند استواء الجهات ، كرجل خيّر اختار سلوك أحد الطريقين المتساويين له لنفع محتاج ، فما درى إنّه لو صحّ هذا في اختيار الجهة لصحّ في اختيار أصل الحركة على السكون ، فيقال : تساويا عندها ، فاختارت الحركة لنفع السافل ، فلمّا لم يجز ذلك في أصل الحركة لتعاليها عليه لم يجز لتعيين الجهة .
وليس علينا أن نعلم كنه ذلك التشبّه إلّا بقدر ما نرى من أنفسنا عند اهتزازنا وابتهاجنا بأمور روحانيّة عند سماع آيات قرآنيّة أو قرائتها مشيرة إلى أحوال العاكفين حول جناب الحقّ ، كيف يستتبع ذلك تغيّرا واحمرارا في
هامش
( 25 ) الذات بالعدد - استيفاء الذات بالعدد - نسخة .
( 26 ) استيفائها - نسخة .
( 27 ) السافل - نسخة .