الصبيان ، ولا إثبات لذّة الروائح عند فاقد الشامّة ، كالجعل ، أو مريضها كالمزكوم لفقدهم القوّة التي بها تدرك هذه اللذّة أو سلامتها .
ولكن من كان ذا ذائقة وسلمت ذائقته عن الأمراض والآفات فيدرك لا محالة ما يناسبه من اللذات ، وعند هذا ينبغي أن يقال لفاقد تلك الغريزة الباطنيّة : « إنّ من ذاق عرف » .
وممّا ينبهك أنّ معرفة اللّه ألذّ الأشياء أنّ طلّاب العلوم - وإن لم يشتغلوا بطلب المعارف الإلهية واللطائف الربوبيّة - قد استنشقوا رائحة من روائح هذه اللذّة عند انكشاف المشكلات وانحلال الشبهات التي قوى حرصهم على طلب العلوم التي يطلبونها فإنّها أيضا معارف وعلوم وإن كانت معلوماتها غير شريفة ، لأنّ كلّ علم فهو حضور صورة مجرّدة عن مادّتها عند الذهن ، والصورة المجرّدة أصفى وألذّ من الصورة الماديّة .
فإذا كانت هذه هكذا ، فما ظنّك بلذّة من طال فكره في الملكوت حتّى انتهى إلى معرفة اللّه وقد انكشف له شيء من أسرار ملك اللّه وملكوته ؟ أو لم يصادف في قلبه عند حصول ذلك طربا عقليّا وفرحا قدسيّا ، ما يكاد يترك به عالم الأجسام كلّها ويطير إلى عالم القدس ، نعم يوجد من يصادف ذلك في كثير من أوقاته ، ويتعجّب من نفسه في ثباته واحتماله ، لقوّة طربه وسروره . وهذا ممّا لا يدرك إلا بالذوق ، والحكاية قليلة الجدوى فيه .
الإشراق الخامس [ حب التفرد عن الخلق ]
لذّة معرفة اللّه والنظر إلى وجهه الكريم والمطالعة لجمال الحضرة الربوبيّة