والشهود لأسرار الأمور الإلهيّة ألذّ اللذات الباطنيّة من الرياسة والحكومة وأعلى الشهوات الغالبة على أنفس الناس وخير الأرزاق الصوريّة والمعنويّة ، يرزق بها من يشاء من عباده المقرّبين وأوليائه الصالحين .
ولهذا ترى العارف الربّاني تؤثر التفرّد عن الخلق والخلوة مع الحقّ بالتبتّل والفكر والذكر على الدوام ، ويترك الرياسة ويستحقر الخلق ويستهزئ بهم كما هم يستهزءون به ، لعلمه بفناء شهوتهم وانقطاع رياستهم وانفساخ أرزاقهم الصوريّة الحسيّة والخياليّة ، وكونهم مشوبة بالكدورات ، منغّصة بالمزاحمات ، مقطوعة بالموت الذي يهدم اللذات ويقطع الرياسات ، ولا بدّ منه مهما
أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَها وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُها أَنَّهُمْ قادِرُونَ عَلَيْها أَتاها أَمْرُنا لَيْلًا أَوْ نَهاراً
الآية [ 10 / 24 ] .
فيشغله بالإضافة إلى هذه اللذات المحقّرات لذّة الحكمة والمعرفة باللّه ، والمطالعة لصفاته وملكوت أفعاله ونظام مملكته ، الآخذة من أعلى علّيين إلى أسفل السافلين ، فإنّها خالية عن المزاحمات والمكدّرات ، متسّعة للمتواردين ، لا تضيق عليهم بكثرتها ، وإنّما عرضها من حيث التقدير عرض السماوات والأرضين ، لأنّه إذا خرج النظر عن عالم المساحة والخلق والتقدير فلا نهاية لعرضها ، فلا يزال العارف بمطالعتها في جنّة عرضها السماوات والأرض ، يرتع في رياضها ، ويقتطف من ثمارها ، وهو آمن من انقطاعها إذ ثمار هذه الجنّة غير مقطوعة ولا ممنوعة ، ثمّ هي أبديّة سرمديّة لا يقطعها الموت ، إذ الموت لا يهدم محلّ معرفة اللّه تعالى ، لأنّ محلّه الروح الذي هو أمر نورانيّ سماويّ ، وإنّما يغير الموت أحوالها ويقطع أفعالها الدنيويّة وشواغلها وعوائقها ويخليها وعالمها .