وإمّا نفسيّة وإمّا بدنيّة ، والأوّل كلذّة العلم والحكمة ، والثاني كلذّة الجاه والحكومة ، والثالث كلذّة الأكل والمجامعة .
وفي الأخيرين يقع الاشتراك بينه وبين سائر الحيوانات .
وأمّا المطالب العقليّة فهي أقلّها وجودا وأشرفها رتبة ، أمّا قلّتها فلأنّ المعرفة لا يستلذّها إلّا العلماء والحكمة لا ينالها إلّا الحكماء ، وما أقلّ أصحاب العلم والحكمة ، وما أكثر المتسمين باسمهم والمترسّمين برسمهم ، وأمّا شرفها فلأنّها لذّة لا تزول أبدا - لا في الدنيا ولا في الآخرة - ودائمة لا تمل ، والطعام والشراب يشبع منه ، وشهوة الوقاع يفرغ ويستثقل ، ومن قدر على الشريف الباقي أبد الآباد إذا رضي بالخسيس الفاني أقرب الآماد فهو سفيه في عقله محروم بشقاوته وإدباره .
ثمّ العلم لذيذ ونافع وجميل في كلّ حال ، والمال والأولاد تارة تجذب إلى الهلاك ، وتارة تجذب إلى النجاة ، ولهذا قال تعالى :
إِنَّما أَمْوالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ
[ 64 / 15 ] .
وأمّا قصور أكثر الخلق عن إدراك لذّة العلم فإمّا لعدم الوجدان والذوق ، فمن لم يعرف لم يذق ، ومن لم يذق لم يشق ، إذ الشوق تابع للذوق .
وإمّا لفساد فطرتهم الأصليّة ومرض قلوبهم بسبب اتّباع الشهوات ، كالمريض الذي لا يدرك حلاوة العسل ويراه مرّا ، وإمّا لقصور فطرتهم إذ لم يخلق بعد لهم الغريزة التي بها يستلذّ العلم ، كالطفل الرضيع الذي لا يدرك لذّة الطعوم اللذيذة إلّا اللبن .
فالقاصر عن لذّة المعرفة والحكمة ثلاثة : إمّا من لم يحي باطنه كالجنين بل كالمني وإمّا من مات بعد الحياة باتّباع الشهوات ، وإمّا من مرض بسبب