تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القرآن الكريم — صفحة 294

مساهمون:

ص٢٩٤

الإشراق السادس

في تأكّد أنّ ما عند اللّه خير الخيرات وأبهج اللذات وأنّ كلّ لذّة وبهجة ينطوي في إدراك ذاته وشهود صفاته . فإذا علمت أنّ لذّة العلم باللّه وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر ألذّ اللذات عند العارف الربّاني ، فلا تتعجّب من إيثار هذه اللّذة على سائر اللذّات ، واستيحاشه عن صحبة الخلق ومستلذّاتهم إلى حيث يصير طرده الناس واستحقروه ، خصوصا المشعوفين بالعقول الناقصة الدنيويّة والعلوم الجزئيّة المعروفة عند الناس ، التي توجب مراجعة الخلق لهم . ولهذا قال بعضهم : إذا بلغ الرجل إلى غاية يستغرق في العلم باللّه رماه الناس بالحجارة . أي يخرج كلامه عن حدّ عقولهم فيرون ما يقوله جنونا . وقصد العارفين كلّهم ملاحظة لقائه ومشاهدة ملكوته فقط ، فهي قرّة عينهم « 6 » التي لا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرّة أعين ، فصارت الهموم كلّها فيهم همّا واحدا ، بل من عرف اللّه عرف أنّ اللذات المفرقة بالشهوات المختلفة كلّها تنطوي تحت هذه اللذّة كما قال بعضهم :
كانت لقلبي أهواء مفرقّة * فاستجمعت إذ رأتك العين أهوائي
فصار يحسدني من كنت أحسده * وصرت مولى الورى إذ صرت مولائي
تركت للناس دنياهم ودينهم * شغلا بذكرك يا ديني ودنيائي
وقال بعضهم :
وهجره أعظم من ناره * ووصله أطيب من جنّته
هامش
( 6 ) أعينهم - نسخة .