أن ينقرع وينقلع حامله بتموّج ما يجاوره من الهواء الراكد ، وكذا القوّة الشميّة القائمة بعصب اللسان تنفعل عن المذوقات بسبب تكيّف آلتها التي هي رطوبة لعابيّة بكيفيّة المطعومات ، ونسبة تلك الرطوبة إلى كيفيّة الطعوم كنسبة الجرم المشف إلى كيفيّة الضوء واللون ، وهكذا قياس سائر الحواس الظاهرة والباطنة .
فالوهم يدرك الموهومات والعقل الذي هو جوهر مفارق يدرك الحقائق المجرّدة عن الغواشي الماديّات ، فالإنسان بكلّ قوّة وبكلّ نشأة تكون له وفيه حصّة منها يدرك ما في تلك النشأة من الأمور الغريبة .
ولهذا قال بعض الحكماء : العقل نور اللّه ، ولا يهتدي إلى النور إلّا النور 33 ، ولا يظهر صورة فردانيّة إلّا في مرآة فردانيّة ، والنفس مرآة العقل ومرآة العقل لا تشبه مرآة الأجسام ، ومرآة اللّه لا تشبه مرآة غير اللّه - انتهى .
وإليه الإشارة بقوله تعالى :
وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُوراً فَما لَهُ مِنْ نُورٍ
[ 24 / 40 ] .
فإذا علمت ما ذكرناه - فاعلم إن من جملة القوى المودعة من أمر اللّه في العالم الإنساني هو نور فائض من اللّه على قلب المؤمن المجاهد في سبيل اللّه ، وهو إنّما يجيء إليه من عالم الملكوت ، ويقذف في قلبه بعد استكماله بمراتب الحسّ والخيال والوهم والعقل بالعلوم الرسميّة والآداب الشرعية ، وطور ذلك النور فوق أطوار سائر المدارك والمشاعر والعقول الجمهوريّة ، وهو من أنوار النبوّة والولاية .
فبذلك النور يقبل الأحكام النبويّة ويفهم الأسرار الإلهيّة وينال الحظّ