تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القرآن الكريم — صفحة 211

مساهمون:

ص٢١١
قلنا : لأنّه لا يصلح لها العلم بهذه المعاني ، إذ لو علمت لفارقت أجسادها قبل أن تتمّ وتكمل ، أو تهاونت في تدبيرها كما ينبغي ، فأدّت الأجساد إلى الفساد قبل استعدادها للمعاد وهذا ممّا يبطل حكمة الإيجاد . وأيضا : إذا فارقت النفوس الأجساد قبل ذلك بقيت فارغة معطّلة بلا شغل وعمل ولا معطّل في الوجود . والحكمة تقتضي أن لا يكون شيء من الموجودات مهملا معطّلا ، كما أنّ الباري - جلّ ذكره - لم يخل أبدا من تدبير وصنعة حتّى يكون فارغا بلا تدبير وإفاضة ، بل كلّ يوم هو في شأن . فظهر أنّ الموت لا بدّ وأن يلاقيه الإنسان من جهة القضيّة الربّانيّة مع كونه مكروها تفرّ وتنفّر منه النفوس بحسب ما هو مركوز في غرائزها من جهة التدبير الإلهي ، ولذلك سلّط عليها دواعي هي أسباب دوامها الدنياوي ، وهي بعينها أسباب عطبها وهلاك هياكلها وشقاوة نفوسها . وهذا من عجائب حكمة اللّه في هذا العالم حيث يكون سبب البقاء بعينه سبب الهلاك والشقاوة ، وتلك الأسباب والدواعي المسلّطة هي مثل الجوع والعطش والشهوات المختلفة والأشواق واللذات الزائلة . أمّا قصد الباري في تكوين الجوع والعطش وتسليطهما على النفوس ليدعوها إلى الأكل والشرب ليخلف « 4 » على أبدانها من الكيموسات الصالحة بدلا عمّا يتحلّل منها ساعة فساعة ، ليبقى بها الشخص والنوع ، إذا كانت أجسامها دائما في التحلّل والذوبان والسيلان . وأمّا الشهوات المستولية فلأن يدعوها إلى الأغذية الجيّدة والمأكولات المختلفة الموافقة لأمزجة أبدانها وما يحتاج إليه طباعها مدّة الكون .
هامش
( 4 ) ليختلف - نسخة .
تفسير القرآن الكريم — صفحة 211 | محمد خواجوى / صدر الدين محمد الشيرازي ( صدر المتألهين )