لاعتيادكم « 2 » بصحبة أهل الدنيا وأبنائها وشهواتها ونسائها ومالها وأسبابها وبنائها
فَإِنَّهُ مُلاقِيكُمْ
أي إنّكم وإن فررتم من الموت أو القتل بتقوية المزاج وأكل الأغذية الجيّدة والمشروبات المقوية ، والتداوي بالأدوية والترياقات لدفع السموم والآفات ، وتحصيل الوقايات من الأسلحة الدافعة والدروع الواقية واتّخاذ الأبنية والحصن الرفيعة والقلاع العالية الحصينة والبروج المشيدة الحارسة عن العدوّ - إلى غير ذلك من التدابير البشريّة والحيل الآدميّة لمدافعة الموت - فإنّه لا ينفعكم عند حلول الأجل المعلوم عند اللّه ، ولا بدّ أن ينزل بكم الموت ويلاقيكم ويدرككم ، ولا ينفعكم الهرب منه
أَيْنَما تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ
[ 4 / 78 ] .
وإنّما قال بالفاء وحرف التأكيد والجملة الاسميّة مبالغة في الدلالة على أنّه لا ينفع الفرار منه ، فسواء فرّوا منه أو لم يفرّوا منه فإنّه ملاقيهم ، بل ربما كان نفس الفرار من أسباب الموت كما يشاهد في بعض مواضع الاحترازات والاستعلاجات الطبيّة والنجومية ، حيث يصير بعينه سببا من أسباب الوقوع فيما وقع الفرار منه . فإذا كان الفرار كالسبب في ملاقاة ما يفرّ منه فلا معنى للتعرّض للفرار لأنّه لا يباعدهم على أيّ وجه .
وإلى هذا المعنى
أشار أمير المؤمنين عليه السلام : « كلّ امرئ لاق ما يفرّ منه والأجل مساق النفس والهرب منه موافاته » « 3 » .
وقال زهير :
ومن هبا أسباب المنايا ينلنه * ولو نال أسباب السماء بسلّم
ولا شكّ إنّها يناله ، هابها أو لم يهبها ، ولكنّه إذا كانت بمنزلة السبب للمنيّة فالهيبة لا معنى لها .
هامش
( 2 ) لاعتباركم - نسخة .
( 3 ) نهج البلاغة : من الخطبة رقم 147 وفيه : كلّ امرئ لاق ما يفرّ منه في فراره .