الإشراق الثالث في حكمة الموت
اعلم إنّه قد تقرّر في العلوم الكليّة بيان حكمة الموت وحكمة نفرة النفوس عنه ، أمّا حكمة الموت فلأنّ كون النفس في هذه الدنيا حال نقص دون التمام ، وكونها في الآخرة حال تمام ، فالبقاء على حال التمام أفضل وأكمل وألذ وأشرف ، كما أنّ حال الأبدان في الأرحام حال نقص عن التمام والكمال ، وحالها بعد الولادة حال تمام وكمال ، كما لا يخفى على أحد ، ولا يجوز في العناية الربّانيّة إهمال شيء من الكمالات والخيرات وعدم الإجادة به على مستحقّه ، فيجب بمقتضى جوده ورحمته إكمال كلّ ناقص بكماله اللائق بحاله .
وكما أنّه لا يمكن الوصول إلى تمام الخلقة البدنيّة في الدنيا إلّا بعد تقدّم حال النقص في الرحم والجواز عليه والخروج عنه ، فهكذا حال الأرواح في تمام تكوّنها الاخرويّ ونشأتها الثانويّة ، فإنّها لا يصل إليها إلّا بعد تقدّم حال النقص في رحم الدنيا والورود فيها والجواز عليها والخروج عنها ، فحال الأرواح بعد الموت على موازنة حال الأبدان بعد مفارقتها الأرحام لأنّ الموت ليس معناه سوى مفارقة الروح الجسد والدنيا ، كما أنّ الولادة ليست سوى مفارقة الجسد المشيمة والرحم .
فالدنيا كالرحم ، والبدن كالمشيمة ، والروح كالجنين ، وألم النزع كألم الولادة ، وملك الموت كالقابلة ، والقبر كالمهد ، وفضاء الآخرة وأنوارها الإلهيّة والجبروتيّة والملكوتيّة بالنسبة إلى ضيق الدنيا وظلماتها الثلاث التي بعضها فوق بعض - ظلمة الهيولى وظلمة الطبيعة وظلمة النفس - بدواعيها الشهويّة والغضبيّة