والوهميّة كفضاء الدنيا وأنوارها الشمسيّة والقمريّة والسراجيّة بالنسبة إلى ضيق الجوف وظلماته الثلاث - ظلمة المشيمة وظلمة الرحم وظلمة البطن ، أو ظلمات الجماديّة والنباتيّة والحيوانيّة .
وأمّا حكمة كراهة الموت للأرواح : فإنّ اللّه - جلّ ثناؤه - جعل بواجب حكمته في طبع النفوس محبّة الوجود والبقاء أبدا سرمدا ، وجعل في جبلّتها كراهة الغناء والعدم ، لأنّ الوجود خير محض موثر عند الكلّ ، فيحبّه كلّ أحد ويبغض زواله ، والموت يزيل هذا الوجود الدنيويّ فيكون مكروها .
هذا هو السبب الفاعلي ، وأمّا السبب الغائي وحكمته فليحرص النفوس بطباعها وغرائزها على حفظ البقاء ويهرب عن الأضداد والمفسدات قبل بلوغها إلى درجة الكمال .
وهاهنا وجهان آخران أحدهما أنّ الباري جلّ مجده لمّا كان ذاته بذاته علّة الموجودات ومقوّم الحقائق ومقيّم الكائنات وممسك السماوات والأرض وهو باق أبدا ، صارت الموجودات كلّها تحبّ البقاء وتشتاق إليه ، لأنّه صفة موجدها وعلّتها ، والمعلول يحبّ علّته وصفاتها ويشتاق إليها . فمحبّة البقاء وكراهة الفناء من فروع محبّة الباري جلّ ذكره ، فمن أجل هذا قالت الحكماء الأقدمون والعرفاء المحقّقون : « إنّ الباري - جلّ ثنائه هو المعشوق الأوّل يشتاقه ساير الخلائق جبلّة وفطرة ويدور عليه الكلّ طبعا وإرادة » .
وثانيهما : أنّ أكثر النفوس لا يدري بأنّ لها وجودا خلوا عن الأجسام ، فيتوهّم أن الموت فناء الذات بالكلية .
فإن قيل : لم لا يلهم اللّه النفوس بأن لها وجودا مستقلا ولا حاجة فيه إلى هذا البدن ؟
تفسير القرآن الكريم — صفحة 210
مساهمون: محمد خواجوى
ص٢١٠