وأمّا اللذّة : فلأن يكون ما يأكل ويشرب بقدر الحاجة ولا يزيد ولا ينقص .
وأمّا الذي يعرض لها من الآلام والأوجاع عند الأمراض والعاهات « 5 » العارضة لأجسادها فلأن يحرض النفوس على حفظ أجسادها من الآفات ليبقى إلى وقت معلوم ولا يفسد قبل بلوغ النفس إلى كمالها اللائق بحالها ، فإنّ استكمالها بالعلم والعمل وبلوغها إلى درجة العقل والمعقول بالفعل إنّما يحصل بآلات البدن واستعمال حواسّه الظاهرة والباطنة مدّة مديدة . ولذا قيل :
« من فقد حسّا فقد علما » .
الإشراق الرابع [ لمية لحوق الموت الطبيعي ]
اعلم إنّا بينّا في بعض فصول أسفارنا « 6 » علّة لحوق الموت الطبيعي لكلّ نفس منفوسة بوجه تحقيقي غير ما اشتهر في الكتب الطبيعيّة والطبيّة ، واستنبطنا ذلك من بعض الآيات القرآنيّة حسبما ألهمني اللّه ، وأثبتناه بالبيان البرهاني على نهج الحكماء الإلهيّين ، لا بالبيانات التي هي مسلك الأطبّاء والطبيعيّين .
وحكاية القول فيه : إن في جبلّة النفوس بل المكوّنات العنصريّة كلّها الترقّي من حال إلى حال والتدرّج إلى كمال بعد كمال ، والتوجّه والسير الحثيث إلى المبدأ الفعّال والقيوّم المتعال ، وهذا أمر مشاهد في النبات والحيوان ، فضلا عن الإنسان ، وقد أقيم في مواضعه عليه البرهان .
أولا ترى أنّ النفس الإنسانيّة منذ أوّل تكوّنها النطفي قبل حين تكوّنها النطقي كانت لها قوّة قابلة هيولانيّة شبيهة بالعدم ، كما قال تعالى :
هامش
( 5 ) الآفات - نسخة .
( 6 ) راجع الاسفار الأربعة : 8 / 98 إلى 108 . و 9 / 47 إلى 53 . و 9 / 237 .