ظهر أنّها موقدة تطّلع على الأفئدة ، كما قال اللّه تعالى :
نارُ اللَّهِ الْمُوقَدَةُ الَّتِي تَطَّلِعُ عَلَى الْأَفْئِدَةِ
[ 104 / 6 ] وطبائعهم أصلها وقلوبهم القاسية كالحجارة والحديد وقودها ، لقوله تعالى :
وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجارَةُ
[ 2 / 24 ] وقد قال :
فقست قلوبهم فهي
كَالْحِجارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً
[ 2 / 74 ] .
واعلم إنّ النار التي يصل إليها من هو من أهلها في الآخرة مشهودة اليوم لك من حيث موضوعها ومصداقها - لا من حيث صورتها - وينقلب فيها أهل الجحيم على الحالة التي هم عليها ، وكذا الجنّة مشهودة لك أيضا وأنت تنقلب فيها وتترقّى من درجة منها إلى درجة ، من باب إلى باب - إن كنت من أهل الجنّة والترقّي - وأنت لا تعلم ولا تشاهد هما .
لأنّ الصورة الدنياويّة تحجبك من ملاحظة حقيقتهما وصورتهما الأخروية .
فأهل الكشف الذين أدركوا ما غاب عنهم يرون موضوعات الأمور الأخروية ، ويرون من كان من أهل الجنّة في روضة خضراء ، ويرون تقلّبهم في مراتبها وتردّدهم « 54 » في غرفاتها ، ويرون الجهنّمي متى استقرّ له دار الجحيم وكيف تتقلّب فيها ويهوي إلى منازلها ودركاتها ، وما يكون فيها من لغوب ، ونصب وحرور وزمهرير ، كما في قوله :
تَرَى الظَّالِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا كَسَبُوا وَهُوَ واقِعٌ بِهِمْ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ فِي رَوْضاتِ الْجَنَّاتِ
[ 42 / 22 ] .
وأكثر أهل الكشف في ابتداء طريقتهم يرون هذا ، ومن لم يكشف اللّه عن بصيرته وبقي في عماء حجابه لا يدرك هذا ويكون مثل الأعمى الذي في بستان ، فإن لم ير ما هو فيه فلم يلزم من ذلك أن لا يكون فيه .
هامش
( 54 ) صعودهم - نسخة .