الموت وطلوع صباح القيامة من مغربها قيامه ، وخيف عليه سوء الخاتمة - نعوذ باللّه - الا ما سقى بماء الطاعات ، والتأملات القدسية على توالى الأيام والساعات ، والتعرض دائما لنفحات ألطاف اللّه ، حتى رسخ وثبت أصلها في أرض القلب وفرعها في سماء الأحوال والمقامات والدرجات ، كما أشار اليه بقوله :
أَ لَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُها ثابِتٌ وَفَرْعُها فِي السَّماءِ
[ 14 / 24 ] وقوله :
يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَفِي الْآخِرَةِ
[ 14 / 27 ] .
إذا تقرر هذا ، فالشكر كسائر المقامات ينتظم من ثلاثة أمور : علم وحال وعمل ، وهكذا جميع المقامات لأنها منتظمة من علوم وأحوال وأعمال ، وهذه الثلاثة إذا قيست بعضها إلى بعض لاح للظاهريين من الناظرين ، أن العلوم تراد لأجل الأحوال ، والأحوال تراد للأعمال ، فالعمل هو الأفضل عندهم وهو الغاية لديهم .
وأما عند أرباب البصائر فالأمر بالعكس من ذلك ، فالاعمال تراد للأحوال والأحوال للعلوم ، فالأفضل هي العلوم ، ثم الأحوال ، ثم الاعمال لان الاعمال غايتها الأحوال وهي ترجع إلى تصفية القلب عن العوائق ، وتصقيل وجهه عن الكدورات والحجب .
ثم نفس التصفية والتصقيل ليس كمالا وغاية مطلوبة ، لأنها أمر عدمي ، بل يراد لأجل أن يتمثل فيها صورة الحق - وهي العلوم الحقيقية - .
واما آحاد هذه الثلاثة : فالاعمال قد يتساوى وقد يتفاوت إذا أضيف بعضها إلى بعض ، وكذا آحاد الأحوال وكذا آحاد المعارف وأفضل المعارف علوم المكاشفة ، اي علوم التوحيد من أحوال المبدإ والمعاد وأحوال الملائكة والرسل