ذلك أن الشكر من جملة مقامات الدين وأجزاء الايمان واليقين ، فان الايمان ليس كما ظن بابا واحدا ، بل هو نيف وسبعون بابا ، أعلاها شهادة أن لا اله الا اللّه ، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق ، كما أن الإنسان ليس موجودا واحدا بل هو نيف وسبعون موجودا ، أعلاها القلب والروح ، وأدناها إماطة الأذى عن البشرة ، ككون الإنسان مقصوص الشارب ، مقلوم الأظفار ، نقي البشرة عن الخبث ، حتى يتميز عن البهائم المرسلة ، المتلوثة باوراثها المستكرهة الصور بطول مخالبها وأظلافها .
وهذا مثال مطابق للايمان ذكره بعض العرفاء لان الايمان بالحقيقة محصل حقيقة انسان ، بل هو عند الكاملين في الحكمة والراسخين في المعرفة عين الإنسان الحقيقي ، ففي التطبيق يقال : الايمان كالإنسان الحسي ، وفقد شهادة التوحيد منه يوجب بطلانه بالكلية ، كما يوجب فقد الروح بطلان الإنسان الحقيقي بالكلية والذي ليس له إلا شهادة التوحيد وشهادة الرسالة هو كإنسان مقطوع الأطراف مفقود العينين ، مفقود الحواس ، ليس فيه الا أصل الروح بالقوة .
وكما أن من هذا حاله قريب من أن يموت ، فيزايله الروح الضعيفة الناقصة فكذلك حال من اكتفى بأصل الايمان من غير تحصيل الاعمال المورثة للأخلاق والملكات ، من الصبر والشكر والتوكل والرضاء بالقضاء وغيرها من المقامات فهو قريب من أن ينقلع شجرة إيمانه بقواصب الرياح عند زلزلة الساعة ، اى القيامة الصغرى ، التي يخصّه في مقدمة قدوم ملك الموت ومشاهدة أهوالها وحالاتها ، وعند القبر والبعث في القيامة الكبرى التي تعمّه .
فكل ايمان لا يثبت في اليقين القلبي أصله ، ولم ينتشر في الاعمال فروعه لم يثبت عند تصادم الأهوال وتزلزل الأحوال دوامه ، وعند ظهور ناصية ملك
تفسير القرآن الكريم — صفحة 88
مساهمون: محمد خواجوى
ص٨٨