شاكرا للّه .
ومما يدل على أن أصل العلم بهذا الوجه شكر تام للّه ، ما
ذكر أنه قال موسى عليه السلام في مناجاته : « الهى خلقت آدم بيدك وفعلت كذا وكذا ، فكيف شكرك ؟ » فقال اللّه تعالى : « من علم أن ذلك منّي فكانت معرفته شكرا » .
فاذن لا شكر الا بأن تعرف أن الكل منه ، فان خالجك ريب في هذا لم تكن عارفا الا بالنعمة لا بالمنعم ، فلا تفرح بالمنعم وحده بل بغيره ، فبقدر نقصان معرفتك ينقص حالك في الفرح ، وبنقصان فرحك ينقص عملك ، فهذا بيان هذا الأصل .
واما بيان الأمر الثاني : فهو الحال المستمدة من أصل المعرفة ، وهو الفرح بالنعم مع هيئة الخضوع والتواضع ، وهذا أيضا في نفسه مرتبة من الشكر ، لأنه فعل منبئ عن تعظيم المنعم ، ولكن انما يكون شكرا إذا كان حاويا شرطه ، وشرطه أن يكون فرحك بالمنعم لا بالنعمة ولا بالانعام ، وهذا أيضا أمر عظيم ، وأمارته أن لا يفرح من الدنيا الا بما هو مزرعة للآخرة ، ويعين على طاعة اللّه وطلب التقرب اليه ، ويحزن بكل نعمة تلهيه عن ذكر اللّه وتصده عن سبيله .
ولهذا قال الشبلي : « الشكر رؤية المنعم لا رؤية النعم » ، وقال الخوّاص :
« شكر العامة على المطعم والملبس والمشرب ، وشكر الخاصّة على واردات القلوب » .
وهذه رتبة لا يدركها كل من انحصرت عنده اللذات في لذة البطن والفرج ومدركات الحواس من الألوان والطعوم والروائح ، وخلا عن لذة القلب لان القلب لا يلتذ في حال الصحة والسلامة الا بذكر اللّه ومعرفته ولقائه ، وانما يلتذ بغيره إذا مرض بسوء العادات والانحراف عن الصراط المستقيم ، كمن يلتذ بأكل الطين ، لانحراف مزاجه عن نهج الاستقامة ، وكمن يستبشع الحلاوات ويستحلى
تفسير القرآن الكريم — صفحة 92
مساهمون: محمد خواجوى
ص٩٢