لا تعلم نفس ما أخفى لهم من قرة أعين ، وهي التي لا عين رأت ولا اذن سمعت ولا خطر على قلب بشر ، وإذا حصلت لهم لذة معرفة اللّه ومطالعة جمال الحضرة الربوبية والنظر إلى أسرار الأمور الإلهية يضمحل منهم الرسوم وينقطع عنهم الهموم إلى غير طلب حبيبهم ، فليس لهم عند ذلك التشوق إلى شيء سوى الحق ، سواء كان من باب الدرهم والدينار ، أم من باب الأراضي والعقار ، أم من باب الترفّع والافتخار ، الذي هو أجل لذات هذه الدار .
والناس إذا شاهدوا منهم ما يخالف أطوارهم وأفعالهم من طلب الخمول والانزواء والاستتار ، وترك التبسّط والتزين والاشتهار ، يعدونه اما من السحر والمكر واما من السفه والعبث ، فهم اما يعاندونه أو يستهزئون به
اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ
لان نظام هذا العالم وتعميره لا يتصور الا من المكبّين على الحسيات ، الهالكين كالفراش في نيران الشهوات ، المعرضين كالخفافيش عن أنوار الحكم والعقليات ، الجاحدين كالكمه الأضاليل لا لو أن المعارف واليقينيات ، المنكرين كالعنين للذات النفوس العاليات وكراماتهم والعقول القادسات في مناجاتهم .
[ سورة يس ( 36 ) : آية 31 ]
أَ لَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنا قَبْلَهُمْ مِنَ الْقُرُونِ أَنَّهُمْ إِلَيْهِمْ لا يَرْجِعُونَ ( 31 )
« الرؤية » هنا بمعنى « العلم » اى : ألم يعلموا كثرة إهلاكنا القرون ، ويسمى أهل كل عصر « قرنا » لاقترانهم في الوجود - كذا في مجمع البيان - والظاهر أنه من باب حذف المضاف مثل : « واسئل القرية » ونظائره ، والاسم بحاله في الاستعمال لقطعة من الزمان من غير وضع ثان .