تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القرآن الكريم — صفحة 73

مساهمون:

ص٧٣
لقصور نظره وهمته عن ادراك ما عداه والتشوق اليه ، ثم يظهر بعده لذة الزينة ولبس الثياب وركوب الدواب فيستحقر منها اللعب ، ثم يظهر بعده لذة الوقاع وشهوة النساء فيترك بها جميع ما قبله في الوصول إليها ، ثم يظهر بعد هذه الأمور لذة الرياسة والعلو والتفاخر والتكاثر ، وهي آخر درجات لذات هذه الدنيا وأعلاها وأقواها ، وآخر ما يخرج عن رؤوس السالكين إلى اللّه . وللإشارة إلى هذه المراتب في اللذات قال تعالى :
اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَياةُ الدُّنْيا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفاخُرٌ
- الآية [ 57 / 20 ] ثم يظهر بعد هذه غريزة أخرى يدرك بها معرفة اللّه تعالى ومعرفة صفاته وأفعاله ، فيستحقر معها جميع ما قبلها ، فكل متأخر فهو أقوى ، وهذا هو الأخير إذ يظهر حب اللعب في سن الصبى وحب النساء والزينة في سن البلوغ الحيواني وحب الرئاسة والعلو والتكاثر في سن العشرين ، وحب العلوم الحقيقية في قرب سن الأربعين - وهي الغاية العليا ومرتبة رجال اللّه هذه المرتبة - . والناس كلهم بالقياس إلى هؤلاء في منزل واحد هي الدنيا ومحبة ما فيها ، وكما أن الصبيان يضحكون عمن يترك اللعب ويشتغل بملاعبة النساء وطلب الرئاسة ويستهزئون بهم ، فكذلك الرؤساء والمتصدرون في المجالس والمتقلدون في المناصب يستهزئون بمن ترك الدنيا وزينتها ورفعتها ، واشتغل بمعرفة اللّه واستهتر بذكر اللّه ، والعارفون باللّه يقولون :
إِنْ تَسْخَرُوا مِنَّا فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنْكُمْ كَما تَسْخَرُونَ
[ 11 / 38 ] . ولهذا ذكر بعض أصحاب القلوب : « ان الإنسان إذا بلغ مرتبته في العلم باللّه ومحبته بذكر صفاته وأفعاله الغاية العليا ، رماه الناس بالحجارة » اى يخرج كلامه عن حد عقولهم ، فيرون ما يقوله جنونا . فقصد العارفين كلهم لذة معرفة اللّه تعالى ووصله ولقائه فقط ، فهي قرة أعينهم التي