تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القرآن الكريم — صفحة 65

مساهمون:

ص٦٥
وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُكْرَمِينَ
وانما تمنى علم قومه بحاله ، ليكون علمهم بكماله سببا لهم في استحصال مثل ذلك لأنفسهم ، والرغبة منهم في سلوك طريقه واكتسابهم العلم والايمان ، وتوبتهم عن الكفر والعصيان ، تكثيرا لأهل الخير والإحسان ، وسوقا لعباد اللّه إلى الجنة والرضوان وفي الحديث « 1 » : « نصح قومه حيا وميتا » . وفيه تنبيهات عظيمة على أسرار لطيفة من وجوب كظم الغيظ ، والصبر على كيد الكافرين ، والعطوفة على الجاهلين ، وطلب الهداية لمن أوقع نفسه في الهلاك ، واستحصال الخلاص لمن تورط في الموبقات ، واقتحم في نار الشهوات كالفراش المبثوث ، والنصيحة لأهل البغي والعناد ، والتشمّر في تخليص أعدائه ، والتلطف في نجاة خصمائه ، والنسيان عن ظلم الأعادي وطلب انتقامهم وعوض إيلامهم ، والصفح عن زلاتهم وخصوماتهم ، والذهول عن الشماتة بهم ، والدعاء عليهم بتمني الخير لقاتليه ، وهم كفرة لئام ، وطلب الرحمة لمهلكية وهم عبدة أصنام . نظير ذلك ما حكى أنّه لما فعل بابن منصور ما فعل ، سمع منه همهمة ، فلما أصغى اليه فهو يقول في مناجاته : « الهي أفنيت ناسوتيّتي في لاهوتيّتك فبحق ناسوتيّتي على لاهوتيّتك أن ترحم على من سعى في قتلي » . وقيل يجوز أن يتمنى ذلك ليعلموا أنّهم كانوا على خطاء فاحش في أمره ، وأنه كان على صواب وحق ، وكان الحق معه مربيا له ، ومكمّلا نفسه بالعلم والحال ، وراقيا روحه إلى عالم الكرامة والجمال ، وأن عداوتهم لم تورثه
هامش
( 1 ) الكشاف : 2 / 585