تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القرآن الكريم — صفحة 67

مساهمون:

ص٦٧

[ سورة يس ( 36 ) : آية 28 ]

وَما أَنْزَلْنا عَلى قَوْمِهِ مِنْ بَعْدِهِ مِنْ جُنْدٍ مِنَ السَّماءِ وَما كُنَّا مُنْزِلِينَ ( 28 ) يعني : وما أنزلنا لإهلاك قومه من بعد قتله أو دفعه جندا من السماء ، أي وما احتجنا في إهلاك قرية فجرت وعتت عن أمر ربهم إلى انزال جند من قبلنا ، كما احتاج الملوك في الغلبة على خصومهم بأسباب ومعاونات خارجية وأشخاص وجنود وآلات وأوزار للحرب ، بل انما أمرنا لشيء إذا أردنا أن نقول له كن فيكون . لان القدرة الإلهية ألطف وأمتن من أن يكون بواسطة أسباب محسوسة وأجناد مشهودة ، الا إذا اقتضت الحكمة انزال العذاب على طائفة بهيئة خاصة وصورة معيّنة فيها عبرة للناظرين ومصلحة للعابرين ، فربما أوجبت المصلحة هلاك قوم على صورة دون أخرى ، وهلاك قوم غيرهم على وجه آخر . أو لا ترى إلى قوله تعالى :
فَمِنْهُمْ مَنْ أَرْسَلْنا عَلَيْهِ حاصِباً وَمِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ وَمِنْهُمْ مَنْ خَسَفْنا بِهِ الْأَرْضَ ، وَمِنْهُمْ مَنْ أَغْرَقْنا
[ 29 / 40 ] ولا يبعد أن يكون شدة البأس وعظمة هيئة الغضب على طائفة شقية بنسبة شقاوتهم وكفرهم أو نسبة عظمة المبعوث عليهم المنذر لهم من نبي أو خليفة له ، ولهذا أنزل اللّه جنودا من السماء يوم بدر والخندق ، قال تعالى :
فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِيحاً وَجُنُوداً لَمْ تَرَوْها
[ 33 / 9 ]
بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُرْدِفِينَ
[ 8 / 9 ]
بِثَلاثَةِ آلافٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُنْزَلِينَ
[ 3 / 124 ]
بِخَمْسَةِ آلافٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُسَوِّمِينَ
[ 3 / 125 ] مع أنه كان يكفي في إهلاكهم ملك واحد ، بل ريشة ؟ واحدة ، بل صيحة واحدة من صياحه ، بل إرادة واحدة منه بإذن ربه ، فقد أهلكت مدائن لوط بريشة من جناح جبرئيل ، وبلاد ثمود وقوم صالح بصيحة .