قومه لما أرادوا أن يقتلوه رفعه اللّه اليه فهو في الجنة لا يموت الا بفناء الدنيا وهلاك الجنة - وقالا : ان الجنة التي دخلها يجوز هلاكها . وقيل : انهم قتلوه الا أن اللّه سبحانه أحياه وأدخله الجنة ، فلما دخلها :
قالَ يا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ بِما غَفَرَ لِي رَبِّي
اي سترني بنور رحمته وكساني بكسوة الكرامة والعلم ، ورباني ورقاني من حد النقصان النفساني إلى حد الكمال العقلاني ، والتربية : تكميل الشيء تدريجا ، واللّه سبحانه يربي النفوس الانسانية بالفضيلة والحال من حد النقص إلى حد الكمال ، وذلك لأنها في أول خلقتها في غاية الضعف لقوله :
خُلِقَ الْإِنْسانُ ضَعِيفاً
[ 4 / 28 ] لأنها نشأت من اللاشيء كما قال :
لَمْ يَكُنْ شَيْئاً مَذْكُوراً
[ 76 / 1 ] ولا أضعف من اللاشيء ، وتكونت من وسخ الطبيعة وظلمة الهيولي كما أشار اليه بقوله :
يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ
[ 2 / 257 ] وانما استكملت بالتدرج من حال إلى حال ، وبلغت من مرتبة العقل الهيولاني إلى عالم العقل الفعال ، بتتالي الهامات من اللّه ، وترادف كمالات عقيب رياضات من المبدإ الأعلى ، حتى زالت عنها العيوب والقشور ، وخلصت كالذهب الخالص من الأوساخ والأكدار ، الباعثة لالم الذوبان في الكور ، والأغشية والظلمات الموجبة للثبور ، والهيئات والاغلال الموبقة المعقبة لعذاب القبور ، والجهالات الحاجبة عن البلوغ إلى عالم النور .
وهذا معنى التربية للنفس ، المقتضي لها الشرف والكرامة ، ولذا عقّبه بقوله :