تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القرآن الكريم — صفحة 61

مساهمون:

ص٦١
معرض عن قبول ما يقولونه فقد أشرفت على عذاب يبقى أبد الآباد ، وان كذبوا فلا يفوتك لوفاتك الا بعض شهوات هذه الدنيا الفانية الكدرة . فلا يبقى له توقف ان كان عاقلا مع هذا الفكر اليسير أن يقبل دعوتهم ، إذ لا نسبة لمدة العمر إلى أبد الآباد ، فانا لو قدرنا الدنيا مملوة بالذرة وقدرنا طائرا يختطف كل سنة واحدة منها ، لفنيت ولم ينقص من أبد الآباد شيء ، فكيف يغتر رأي العاقل في الصبر عن شهوة الدنيا لأجل سعادة تبقى أبد الآباد ؟

[ سورة يس ( 36 ) : آية 22 ]

وَما لِيَ لا أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ( 22 ) هذا نمط آخر له في نصيحة الجاهلين من أهل القرية وإيقاظ النائمين من قومه ، وهو التلطف لهم والمواساة معهم ، والتسوية بين نفسه وبينهم فيما اختار لنفسه ، فأبرز الكلام في معرض المناصحة لنفسه قصدا لمناصحتهم وطلبا لصلاح حالهم ، لغاية الشفقة عليهم والمساهمة معهم حيث لم يرد لهم الا ما أراد لروحه ، ولهذه الرعاية في اثبات المشاركة والمساهمة وقع قوله :
وَما لِيَ لا أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي
بدل قوله : « وما لكم لا تعبدون الذي فطركم » الا ترى أنه كيف عاد عمّا ساق الكلام لهذه الرعاية إلى ما يستدعيه سوق الكلام لأصل المقصد من الخطاب لهم للنصيحة والإرشاد وارائتهم سبيل السداد ، فقال :
« وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ »
بعد قوله :
« الَّذِي فَطَرَنِي »
إذ المقابلة بين المبدإ والمرجع مما يقتضي أن يكون أحدهما مقيسا إلى ما يقاس اليه بعينه الاخر ، ويقاس إلى أحدهما ما يقاس بعينه إلى الاخر ، ولما لم يلتفت لفت هذه المخاطبة على ما يستدعيه المقابلة ، بل نسب إلى المبدإ بالخلق والإجادة غير ما نسب إلى المعاد بالرجوع والإعادة ، فعلم أن تغيير الأسلوب كان تنصيصا على المساهمة وتأكيدا للمناصحة .
تفسير القرآن الكريم — صفحة 61 | محمد خواجوى / صدر الدين محمد الشيرازي ( صدر المتألهين )