تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القرآن الكريم — صفحة 57

مساهمون:

ص٥٧
كما في قوله تعالى :
أَ فَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلهَهُ هَواهُ
[ 45 / 23 ] . وأكثر الناس - الا من أيّده اللّه بالتقديس الأتم والتنزيه الأكمل - عابدوا أصنام العقائد الجزئية ، ومعتقدو الصور الوهمية ، حتى أن عبدة الأصنام الخارجية الحجرية والخشبية والمعدنية انما عبدوها لاعتقادهم معنى الإلهية في تلك الأجساد من الجماد وغيره ، فهم أيضا بالحقيقة قد عبدوا معتقداتهم وما حصل في أوهامهم فالهوى معبودهم جميعا أولا وبالذات ، والصنم الخارجي معبود لهم بالعرض فعلى هذا غير الموحد العارف لهم جميعا اشتراك في الاشراك واتفاق في طلب الهوى وعبادة غير الحق وما سوى . وما من مؤمن الا وله عبور عن هذه الاعتقادات الجزئية ، فورود الصور الوهمية أو الأصنام الخيالية لا على وجه الإذعان بل على مسلك التفتيش وتصوير الاحتمالات البعيدة ، ليقام على نفيها البرهان ، كما وقع للخليل - على نبينا وآله وعليه السلام - من العبور على آلهة عبدة الكواكب لزيادة الكشف واليقين في تنزيه الحق الأول عن مماثلتها ، ولإقامة البرهان على فساد توهم المحجوبين وإخراج تلك الصور التي هي الاه سائر المعتقدين من المشركين والمعطلين من أن يستأهل اعتقاد الألوهية فيها ، فإنه يوجب العذاب الأليم ، ويستدعي عقوبة الاحتجاب من اللّه والتردي إلى أسفل درك الجحيم . فقد ظهر أن أهل البصيرة الإلهية يعبرون عنها في أسرع زمان من غير أن يتضرروا بها ، كما قال واحد من أهل البيت عليهم السلام : « جزناها وهي خامدة » 3 واليه الإشارة في قوله سبحانه :
إِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وارِدُها كانَ عَلى رَبِّكَ حَتْماً مَقْضِيًّا * ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيها جِثِيًّا
[ 19 / 72 ] . فكان حبيب النجار من جملة أهل البصيرة الذين نور اللّه بواطنهم بكشف الحقائق والارتقاء من عالم الوهم والخيال إلى عالم التقديس بنور المعرفة والحال ،