فيوصف بأنه شر ، بل هو الاقتضاء الذي لا يكون الا خيرا ، لان الخير ليس الا ما يقتضيه ذات الشيء ، ولو اطلق لفظ « الشر » على ماهية إمكانية يكون مرتبتها في درجة الوجود والفضيلة الحقيقية دون مرتبة موجود آخر مع استحالته أن تكون هي الا هي ، لكان ذلك الإطلاق على غير المعنى الذي كلامنا فيه الآن فان الشر معناه العرفي هو عدم وجود ما ، أو عدم كمال وجود ما - لما من حقه بما هو هو - أن يناله بحسب استعداده الفطري أو الكسبي .
وأما كون الحمار ليس له وجود الإنسان وكماله ، فلا يعد شرا بهذا المعنى والتولي الذي كلامنا فيه ان الحق سبحانه ما ولّى كل شيء الا ما تولاه بنفسه ، هو الاستدعاء الذاتي الأولى ، والسؤال الوجودي الفطري ، الذي يسئله الذات القابلة المطيعة السامعة لقول « كن » منه تعالى ، فيدخل في عالمه بعد الاستيذان منه ، والامر من الحق تعالى .
فهذا تحقيق الامر الابداعي والإرادة الأزلية ، المتعلقة بذوات الأشياء وأما الامر التشريعي والتكويني الحادثان ، والإرادة المترتبة على استحقاق العبد من جهة أعماله فهي أيضا على ما يناسب الفطرة الثانية له في الدنيا والآخرة فمن تولى اللّه وأحب لقائه وجرى على ما جرى عليه الأوامر الشرعية والتكاليف الدينية ، تولاهم الحق وهو يتولى الصالحين ، ومن تعدى ذلك فقد طغى وتولى الطواغيت واتبع الهوى ، ولكل نوع من الهوى طاغوت ولاه اللّه ما تولاه ، فشخص لكل معبود ووجه اليه ، وهو قرينه في الدنيا والآخرة :
وَما عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلاغُ الْمُبِينُ
.
أعاذنا اللّه من متابعة الهوى والشياطين ، وجعلنا من عباده الصالحين الذين يتولاهم برحمته يوم الدين .