قال : فينطلق كل قوم إلى ما كانوا يتولون ويعبدون في الدنيا ، ويمثّل لهم أشباه ما كانوا يعبدون
- الحديث بطوله .
وكما يولون في الآخرة ما تولوا في الدنيا ، فإنما يولون في الدنيا ما تولوه في السوابق حين خلقوا في الظلمة ، فان شككت في ذلك فاتل قوله تعالى :
إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمانَةَ عَلَى السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَها وَأَشْفَقْنَ مِنْها وَحَمَلَهَا الْإِنْسانُ
- الآية [ 33 / 72 ] لتعلم أن اللّه لا يحمل أحدا شيئا قهرا وجبرا ، بل يعرض عليه أولا ، فان تولاه ولاه ، وان لم يتوله لم يوله ، وهذا رحمة اللّه وارادته الخالية عن الكراهة أصلا ، ويرحم اللّه امرأ آمن بالكتاب كله ولم يبادر بالصرف والتأويل إلى ما يبلغه بعقله وبعقول غيره من الأباطيل ، ولم يسلك سبيل المقتسمين ، الذين جعلوا القرآن عضين .
وهم وتنبيه
لا يقال : ليس تولية الشيء ما تولاه عدلا من كل وجه ، بل حيث يكون ذلك التولي من رشد وبصيرة ، فان السفيه قد يختار لنفسه ما هو شر بالنسبة اليه وضر لجهله وسفاهته ، ثم لا يكون توليته إياه عدلا وحكمة - بل ظلما وجورا - وانما العدل والحكمة والشفقة في ذلك منعه إياه وصرفه عنه .
لأنا نقول : هذا التولي الذي كلامنا فيه ليس توليا يحكم عليه بالرشد والسفه ، والمنفعة والمضرة ، وانما هو تولى سابق على النفع والضر ، حاكم على الخير والشر ، لان به يصير الشيء متعينا في الخارج بالأسباب المقدرة له ، وما يختاره السفيه لذاته انما يسمى شرا ، لأنه مناف لذاته فلذاته اقتضاء أول متعلق بنقيض هذا الاختيار ، فذلك هو الذي أوجب لنا أن نسمي هذا شرا بالنسبة اليه ، وأما اقتضائه الأول فلا يمكن وصفه بالشر ، لأنه لم يكن قبله اقتضاء يكون هذا بخلافه