ولهذه الواقعة أمثلة كثيرة في العلوم الطبيعيات مثل الحركة القسرية فإنها صادرة عن الطبيعة بواسطة عروض ميل غريب ، ومثل الحرارة الغريبة عند الحمي ، فإنها محللة للبدن ، مضعفة له ، مؤذية للنفس ، مع أن النفس يحدثها في البدن ، لأجل انحراف الطبيعة عن اعتدالها اللائق بها في كل وقت .
ومثل الشكل الغريب الذي عرض للأرض أولا بواسطة أمر غريب حادث فغيّرها عما كانت وأخرجها عن الكرويّة التي مقتضى طبيعتها الأصلية فصار لها طبيعيا قبلته الأرض وحفظته يبوستها التي هي كيفية طبيعية لها ، فالذي كان لها أولا بمنزلة الآفة والمرض ، صار لها أخيرا بمنزلة المطبوع الموافق كالصحة ، فلو لم يكن في طبعها من القوة الهيولانيّة ما يقبل الاشكال العارضة لأجل مصادفة الأمور الغريبة لما قبلتها بوجه من الوجوه أصلا ، كالأفلاك وما فيها ، فالذي قبلته الأرض من هذه التضاريس في سطحها فإنما قبلته لأنها مطبوعة من وجه ، مقسورة من وجه .
وتحت هذه الأمثلة أسرار عظيمة لا يتفطّن بها الا الأقلون من العلماء
وَتِلْكَ الْأَمْثالُ نَضْرِبُها لِلنَّاسِ وَما يَعْقِلُها إِلَّا الْعالِمُونَ
[ 29 / 43 ] .
تفريع
فإذا علمت هذه القاعدة فمهما سمعت قول اللّه عز وجل يذكر هذه الأشقياء بالبعد والشقاوة ، فهم أشقياء مبعدون لا شك في ذلك ، فان العذاب مطبق عليهم من فوقهم ومن تحت أرجلهم ، ومهما سمعت عز وجل ينبئ عن خلقه كلّه بالحسن والبهاء ، ويذكر نفسه بالرحمة التي وسعت كل شيء ، فاعلم أنه بالنظر إلى تلك الجهة الدقيقة التي نبّهناك عليها ، انّ ذواتهم لو لم تستدع عروض العذاب الدائم لم يكن يفعل بهم ذلك ، فان اللّه عز وجل لا يولّى أحدا الا