فيه دلالة واضحة على أنه ليس من شرط الكلام والكتاب أن يكون من جنس الأصوات والحروف ، وأمثال ذلك منقولة من كثير من الأكابر والعرفاء وأعاظم العلماء .
والأحاديث الصحيحة الدالة على نطق الأحجار والأشجار لرسول اللّه صلى اللّه عليه وآله والأئمة عليهم السلام كثيرة من غير تعرض في جميع ذلك بأنه كان بطريق الصوت ، أم لا - وان كان ذلك جائزا 53 - بل هو مما قد وقع في بعض الأحايين حيث اتفق لهم محاكاة هذه الدلالة الذاتية بالنطق الظاهري أيضا ، فيسمعونه كفاحا بسبب اشراق نور النبوة على مشكاة حواسهم الظاهرة المنورة بأنوار صحبة رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله فانعكس ظل السماع القلبي على قوة السمع الظاهري ، فانطبع على لوح بنطاسيا صورة ذلك السماع العقلي - على سبيل الانحدار من العالي إلى المتوسط ، ثم إلى السافل على عكس عادة الناس في ادراكهم صور حقايق الأشياء ، حيث يقع لهم الاحساس بها أولا ثم التخيل ثانيا ، ثم التعقل آخرا .
فإذا علمت هذا فاعلم أن كلام اللّه ليس معاني قائمة بذات اللّه تعالى تكون هي من مدلولات الألفاظ التي وقعت في كتب اللّه النازلة على الأنبياء - كما ذهب اليه الأشاعرة ، وسموه ب « الكلام النفسي » وقالوا إنه مدلول الكلام اللفظي - فان ذلك يؤدى إلى مفاسد شنيعة ومثالب عظيمة يجب تنزيه اللّه عنها ، مما هو مذكور في كتب أهل البحث والكلام .
ولا ينحصر أيضا في خلق الألفاظ والعبارات المسموعة - كما زعمه المعتزلة - بل مطلق إنشاء ما يدل على المعاني مع الشعور والإرادة للاعلام ، ولهذا قال تعالى - مشيرا إلى جوهر عيسى عليه السلام - :
وَكَلِمَتُهُ أَلْقاها إِلى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ
[ 4 / 171 ] وقال مشيرا إلى النفوس الناطقة الانسانية :
قُلْ لَوْ كانَ