إلى غير ذلك من الطاعات المعروفة ، فان كل ذلك دين اللّه الذي ديّنه ودعا اليه عباده أجمعين ، وأمرهم به قبل خلق السماوات والأرضين ، فأطاعوه وتقلّدوه طوعا ورغبة وحنينا ومحبة .
ولو لم يكن هذه الهيئات مما تقتضيها ذواتهم كانت دعوتهم إليها دعوة إلى شقاوتهم ، لان سعادة الشيء ليست الا ما يقتضيه ذاته ويلائم نشأته ويوافق طبعه ( طلبه - ن ) ولا شقاوته الا خلاف ما يقتضيه ذاته ، وانما كبرت الصلاة وثقلت الطاعات على الناس لما انشبّ فيهم أظفار من العارض الغريب
بَلْ أَتَيْناهُمْ بِذِكْرِهِمْ فَهُمْ عَنْ ذِكْرِهِمْ مُعْرِضُونَ
[ 23 / 71 ]
وَلَوْ شِئْنا لَآتَيْنا كُلَّ نَفْسٍ هُداها وَلكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي
- الآية [ 32 / 13 ] .
فأما الخاشعون - وهم الذين باشروا أنوار الحق نفوسهم حتى خشعوا لها فان اللّه إذا تجلى لشيء خشع له - فليست الصلاة كبيرة عليهم ، ثم إن هذا المرض الذي عرض لذواتهم ، والحالة المنافية التي حلّت بهم ، لولا أن وجدوا قبولا من ذواتهم لعروضها لهم واذنا في لحوقها بهم لم يكونا يعرضان لهم أبدا ولا يلحقان بهم ، فاذن كان مما يقتضيه ذواتهم أن يلحق بهم أمور منافية لجواهرهم ، فإذا لحقتهم تلك الأمور اجتمعت فيها جهتان : جهة نورية فطرية ، وجهة ظلمانية وهمية ، فكانت ملائمة منافية .
اما الملائمة فلان ذواتهم اقتضتها ، واما كونه منافيا فلأنها اقتضتها على أن يكون منافية لهم ، فلو لم يكن منافية لهم لم يكن ما فرضناه مقتضى لها ، مقتضى لها ، بل أمر آخر - هذا خلف - .
فالشيء عند عروض مثل هذا المنافي ملتذ متألم ، سعيد شقي ، ملتذ ولكن لذته ألمه ، سعيد ولكن سعادته شقاوته ، وهذا عجيب جدا ولكن أوضحناه لك إيضاحا لم يبق معه عجب وريب إن شاء اللّه .