المسألة الخامسة في لمية صدور العصيان وحصول الشقاوة لافراد الإنسان
لقائل أن يقول : لما تحققت أمره وارادته تعالى للأشياء على الوجه الذي قررت من كونها عين المحبة الإلهية ، الجاعلة كل أحد على أفضل ما يختار له ويحب لنفسه ، فما معنى صدور المعاصي عنهم والآثام المعقّبة لهم يوم القيامة صنوفا من الآلام ؟
فنقول : كل ذلك حق وسنطلعك على حقيقة الامر فيه ، فاعلم أن الطاعة كل هيئة يقتضيها ذات الإنسان على ما جبلت عليها لو خلت عن العوارض الغريبة ، وهي الفطرة الأولى التي فطر اللّه عليها العباد كلهم ، والمعصية كل ما يقتضيه ذاته بشرط أمر غريب يجري مجرى المرض ، والخروج عن الحالة الأولى ، فيكون ميل الإنسان كشهوة أكل الطين التي هي غريبة بالنسبة إلى المزاج الطبيعي لم يحدث الا لعروض مرض وانحراف عن مذهب الطبيعة الأصلية .
و
قد ورد في الحديث القدسي « 1 » : « اني خلقت عبادي كلهم حنفاء وانهم أتتهم الشياطين فاحتالهم عن دينهم »
فالطاعة هي الحنيفية التي تقتضيها ذواتها لو لم تمسسهم أيدي الشياطين ، فإذا مستهم أيديها فسد عليهم مزاج فطرتهم ، فاقتضوا أشياء منافية لهم مضادة لجوهرهم البهي الإلهي من الهيئات الظلمانية ونسوا أنفسهم ، وكاد أن يسقطوا عن درجتهم التي جبّلوا عليها ، فأتتهم رسول من اللّه يذكرهم العهد القديم ، ويتلوا عليهم آيات ربهم ، ويعود عليهم بتلك الهيئات التي كانت تقتضيها ذواتهم ، فصرفوا عنها باللاحق الغريب ، وتكرر عليهم بما يذكر ذلك من الصلاة والصيام والزكاة والإطعام وصلة الأرحام ،
هامش
( 1 ) - المسند : 4 / 162 ( فأضلتهم عن دينهم ) .