النظام ، لكان غرضه بالحقيقة واجب الوجود الذي هو الكمال ، فإن كان واجب الوجود هو الفاعل فهو الغاية والغرض .
ومن هاهنا يظهر حقيقة ما قاله بعض العرفاء ، لولا العشق ما يوجد أرض ولا سماء ولا برّ ولا بحر ولا هواء ولا ماء .
ومما يجب عليك أن تعتقد أن الباري تعالى كما أنه غاية الأشياء بالمعنى المذكور - أي الداعي والسبب الغائي - فهو غاية أخيرة بمعنى أن جميع الأشياء طالبة لكمالاتها ، ومتشوقة للخير الأتم ، ومتشبّهة به في تحصيل ما يتصور في حقها من الخير كل بحسبه ، فلكل منها عشق وشوق اليه إراديا كان أو طبيعيا ولأجل هذا المعنى حكم حكماء الإلهيون بسريان العشق في جميع الموجودات على تفاوت طبقاتها ، وأثبتوا لكل منها شعورا وعلما ، واليه الإشارة في قوله تعالى :
وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيها
[ 2 / 148 ] وقوله :
وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ
[ 17 / 44 ] .
ويقتبس كل منها بنار الشوق نور الوصول لديه والقرب منه كما قال واحد من الحكماء المعلّمين : صلت السماء بدورانها ، والأرض برججانها ، والمطر بهطلانه ، كل يدور على المبدإ .
وقيل أيضا مشيرا إلى حركة السماء وسكون الأرض : انّهما لسيّان في هذا الشأن :
فذلك من عميم اللطف شكر * وهذا من رحيق الشوق سكر
المسألة الثالثة
ان حقيقة الامر التكويني والإرادة الالهيّة بالمعنى الذي مرّ كلتاهما واحدة ، فأمره لكل شيء عين ارادته له ، ولا معقّب لحكمه ولا راد لقضائه ، فكل