تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القرآن الكريم — صفحة 384

مساهمون:

ص٣٨٤
واما المخاطب بالأمر التشريعي والخطاب التكليفي فلا يكون الا ضربا من النفوس الانسانية حين وجودها العنصري ، وكونها الدنياوي وبلوغها النفساني وكمالها البدني . وفي الأمر الأول لا مجال 47 للعصيان لأنه الدين الفطري الإلهي الذي يستحيل التمرد عنه والمعصية فيه ، وبهذا جرت سنة اللّه التي لا تبديل لها ، وأما الامر الذي أمر به عباده على ألسنة رسله وألواح كتبه فمنهم من أطاع ومنهم من عصى وبارتفاع الوسائط لا سبيل لاحد الا القبول والطاعة . 48 ومثال هذه القاعدة النفس الانسانية التي خلقها اللّه مثالا له ذاتا وصفة ، وجعلها سلّما إلى حضرته ، وصراطا مستقيما إلى جنابه ، وحاملا لسر ربوبيته وأمره ونهيه وكتبه ورسله وملائكته وعباده الصالحين والطالحين من الجن والانس أجمعين . فمن أراد أن يعرف ما ذكرناه فلينظر إلى نفسه في أمره ونهيه وتكوينه بلا واسطة لسان ولا جارحة ولا مخلوق غيره ، فهو على بيّنة من ربه في كماله ، وقد خلقت أعضائه مسخرة لا تستطيع له خلافا ولا عليه تمردا ، فإذا أمر العين للانفتاح انفتحت ، وإذا أمر الرجل للحركة تحركت ، وإذا أمر اللسان بالكلام وجزم الحكم به تكلم ، وكذا سائر الأعضاء ، فهي له من جهة أمثالها بمنزلة أجرام السماوات والأرض للّه تعالى في حركاتها وسكناتها . وله جنود روحانية هي أقرب منزله منه ، وأسرع قبولا لطاعته ، وأشد سماعا لأمره ونهيه ، وهي قواه الادراكية أولا وقواه التحريكية ثانيا ، كل منهما على طبقات متفاوتة في الشرف ، ودرجات مترتبة في القرب منه والطاعة لحكمه والسماع لأمره ، هي كلها بمنزلة ملائكة اللّه العلوية والسفلية ، العلمية والعملية على شعوبها وقبائلها ، المترتبة في مقاماتها النازلة في مراتبها ، كل له مقام معلوم ، حيث أنهم كلهم جبلوا على الطاعة لا يستطيعون له خلافا ، بل لا يعصون اللّه ما