للتضاد الواقع بين الماء والنار ، فكيف يكون أحدهما سببا للاخر - وطبيعة السبب لا بد وأن يكون قريبة من طبيعة المسبب - واليه الإشارة بقوله :
« الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الشَّجَرِ الْأَخْضَرِ ناراً فَإِذا أَنْتُمْ مِنْهُ تُوقِدُونَ »
.
فان قيل : ان توقّد النار من هذا الشجر ليس الا بعد السحق والحركة الشديدة ، والحركة تحيل جوهر الماء الذي فيه إلى الهواء ، ثم إلى النار ، وليس ان الشجر الرطب - بما هو رطب - يتولد منه النار .
قلنا : لا نسلم ذلك ، فان تولد النار منه أمر محسوس ، وانقلابه إلى الهواء ثم إلى النار غير معلوم ، لا بد له من برهان ولا سبيل لنا اليه ثم هب انه كذلك فليس التعجّب من توليد الحركة - وهي أمر ضعيفة الوجود بالقوة ، شبيهة بالعدم - الصورة الهوائية والنارية من الشجر الأخضر الذي يتقطّر منه الماء بأقل من توليد نفس الشجر لها .
والمثال الثالث خلق مجموع السماوات والأرض فان وجود الشيء المكاني عن غير المكاني وتحقق الزماني عن غير الزماني أعجب العجائب واللّه سبحانه مما قد برهن على وجوده وعلى كونه خالق السماوات والأرض ، ومكّون الكائنات من غير مكان ، وموجد الزمانيات في غير زمان ، فأبدع الكل بقدرته ابداعا واخترعها على مشيّته اختراعا ، فهو الأول بلا أوليّة ، والمبدأ بلا ابتداء كما أنه الاخر بلا آخرية والمنتهى بلا نهاية ، وهو أيضا مع كل شيء لا بمقارنة وغير كل شيء لا بمزايلة ، فأمثال هذه المتناقضات لفظا متفقات في حقه تعالى معنى ، فجلال اللّه فوق الأوهام والعقول فضلا عن الأزمنة والأمكنة .
فايجاده للسماء والأرض وما فيهما من عجائب المكّونات من البسائط والمركبات بمجرد ارادته وأمره بوجود كل منها من غير مادة سابقة أو حركة