وذاته ، ومن كان ذا قدم راسخ في معرفة الباري وعبوديته فربما يغفل عما سوى اللّه ويجد ذاته كرشحة من بحر غير متناهي الفسحة أو لمعة من نور غير متناهي الشدة ، والتجرد لذكر اللّه على الدوام في بداية السلوك يفضى بالسالك إلى هذه الحالة ، حتى أن لا يحضر في شعوره من المحسوسات والمعقولات سوى الحق الأول تعالى مجده ، ولا يشعر بنفسه ، ولا بعدم شعوره بنفسه ، ولا يشعر بشعوره بالحق ، بل يكون شاعرا بالحق فقط فان الشعور بالشعور بالحق حجاب وغفلة عن الحق ، وملاحظة الوصال فراق فالمعنى المتجرد لمعرفة الحق كيف يكون محتاجا إلى البدن .
فعلم أن تعلقها بالبدن ليس تعلق الحال بالمحل ، وليس أيضا تعلقها به تعلق المحل بالحال وهو ظاهر ، ولا أيضا تعلّقها به تعلّق العلة بالمعلول ، ولا المعلول بالعلة - والا لما وجد أحدهما بدون الاخر - ولا تعلق أحد المضافين الحقيقيّن بالآخر ، لان لكل منهما ذاتا على حدة والمتضايفان ليسا كذلك - لما حقق في مقامه - ولا أيضا تحريكها للبدن كتحريك الدافع للشيء بالدفع ، ولا تحريك الجاذب للشيء بالجذب ، ولا تحريك الحامل كالسفينة للساكن فيها ، ولا المركوب للراكب ، ولا الحامل للشيء على عاتقه ، لان النفس مجردة ، والمجرد يستحيل عليه هذه الحالات الوضعية .
فهذا التعلق الذي للنفس بالبدن أمر مشكل لا يعلمه أحد الا بهداية اللّه وتوفيقه ، فأشار سبحانه اليه بقوله :
« وَضَرَبَ لَنا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ
- إلى قوله -
وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ »
.
والمثال الثاني مثال توقّد النار من الشجر الأخضر ، وهو أيضا أمر عجيب أعجب من تعلّق النفس بالبدن مرة ثانية عند جمهور الأنام بل الخواص ،